وتفصيل ذلك ما رواه أبو داود عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لما كان يوم بدر تقدم عتبة ابن ربيعة ومعه ابنه وأخوه فنادى من يبارز إلى قوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قم يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحرث » فأقبل حمزة إلى عتبة وأقبلت إلى شيبة واختلفت بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل منهما صاحبه ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة .
هذا ورتب بعض المفسرين { وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } على قصة أبي عبيدة . وأبي بكر . ومصعب . وعلي كرم الله تعالى وجهه ومن معه ، وقيل: إن قوله تعالى: { لاَّ تَجِدُ قَوْمًا } الخ نزل في حاطب بن أبي بلتعة ، والظاهر على ما قيل: إنه متصل بالآي التي في المنافقين الموالين لليهود؛ وأيًا مّا كان فحكم الآيات عام وإن نزلت في أناس مخصوصين كما لا يخفى ، والله تعالى أعلم .
المعنى أنه لا يجتمع الإيمان مع وداد أعداء الله ، وذلك لأن من أحب أحدًا امتنع أن يحب مع ذلك عدوه وهذا على وجهين أحدهما: أنهما لا يجتمعان في القلب ، فإذا حصل في القلب وداد أعداء الله ، لم يحصل فيه الإيمان ، فيكون صاحبه منافقًا والثاني: أنهما يجتمعان ولكنه معصية وكبيرة ، وعلى هذا الوجه لا يكون صاحب هذا الوداد كافرًا بسبب هذا الوداد ، بل كان عاصيًا في الله ، فإن قيل: أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاشرتهم ، فما هذه المودة المحرمة المحظورة؟ قلنا: المودة المحظورة هي إرادة منافسه دينًا ودنيا مع كونه كافرًا ، فأما ما سوى ذلك فلا حظر فيه ، ثم إنه تعالى بالغ في المنع من هذه المودة من وجوه أولها: ما ذكر أن هذه المودة مع الإيمان لا يجتمعان وثانيها: قوله: { وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } والمراد أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع الميل ، ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مغلوبًا مطروحًا بسبب الدين ، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد ، وعمر بن لخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر ، وأبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: « متعنا بنفسك » ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير ، وعلي بن أبي طالب وعبيدة قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يوم بدر ، أخبر أن هؤلاء لم يوادوا أقاربهم وعشائرهم غضبًا لله ودينه وثالثها: أنه تعالى عدد نعمه على المؤمنين ، فبدأ بقوله: { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المعنى أن من أنعم الله عليه بهذه النعمة العظيمة كيف يمكن أن يحصل في قلبه مودة أعداء الله ، واختلفوا في المراد من قوله: { كتب } أما القاضي فذكر ثلاثة أوجه على وفق قول المعتزلة أحدها: جعل في قلوبهم علامة تعرف بها الملائكة ما هم عليه من الإخلاص وثانيها: المراد شرح صدورهم للإيمان بالألطاف والتوفيق وثالثها: قيل في: { كتب } قضى أن قلوبهم بهذا الوصف ، واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة نسلمها للقاضي ونفرع عليها صحة قولنا ، فإن الذي قضى الله به أخبر عنه وكتبه في اللوح المحفوظ ، لو لم يقع لانقلب خبر الله الصدق كذبًا وهذا محال ، والمؤدي إلى المحال محال ، وقال أبو علي الفارسي معناه: جمع ، والكتيبة: الجمع من الجيش ، والتقدير أولئك الذين جمع الله في قلوبهم الإيمان ، أي استكملوا فلم يكونوا ممن يقولون: { نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } [ النساء: 150 ] ومتى كانوا كذلك امتنع أن يحصل في قلوبهم مودة الكفار ، وقال جمهور أصحابنا: { كتَب } معناه أثبت وخلق ، وذلك لأن الإيمان لا يمكن كتبه ، فلا بد من حمله على الإيجاد والتكوين .
المسألة الثانية: روى المفضل عن عاصم: { كتب } على فعل مالم يسم فاعله ، والباقون: { كتب } على إسناد الفعل إلى الفاعل والنعمة الثانية: قوله: { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } وفيه قولان: الأول: قال ابن عباس: نصرهم على عدوهم ، وسمى تلك النصرة روحًا لأن بها يحيا أمرهم والثاني: قال السدي: الضمير في قوله: { مِنْهُ } عائد إلى الإيمان والمعنى أيدهم بروح من الإيمان يدل عليه قوله: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى: 52 ] النعمة الثالثة: { وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا } وهو إشارة إلى نعمة الجنة النعمة الرابعة: قوله تعالى: { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } وهي نعمة الرضوان ، وهي أعظم النعم وأجل المراتب ، ثم لما عدد هذه النعم ذكر الأمر الرابع من الأمور التي توجب ترك الموادة مع أعداء الله فقال: { أولئك حِزْبُ الله أَلآَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون } وهو في مقابلة قوله فيهم: { أولئك حِزْبُ الشيطان أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشيطان هُمُ الخاسرون } [ المجادلة: 19 ] .
واعلم أن الأكثرين اتفقوا على أن قوله: { لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ } نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد فتح مكة ، وتلك القصة معروفة وبالجملة فالآية زجر عن التودد إلى الكفار والفساق .
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: « اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت { لاَّ تَجِدُ قَوْمًا } إلى آخره » والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقال الجصاص (2) :
(1) - تفسير الرازي - (ج 15 / ص 287)
(2) - أحكام القرآن للجصاص - (ج 9 / ص 26)