نرى لزاما علينا بيان حكم السفر إلى بلاد المشركين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأن ذلك حرام لمن لم يقدر على إظهار دينه، وليس إظهار الدين أنه يستطيع أن يتلفظ بالشهادتين ويصلي الصلوات ولا يُرَد عن المساجد ولا يشرب الخمر ولا يأكل لحم الخنزير ونحو ذلك، بل إظهار الدين أمر وراء ذلك، وهو تبيين الرجل عقيدته الإسلامية عند كل مناسبة، وتكفير كل من خالفها، وعيبهم والتحفظ من مودتهم والركون إليهم واعتزالهم، والبراءة منهم.
كما قال تعالى عن خليله إبراهيم -عليه السلام-: {إِنَّا بُرَءَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ( ) .
والنصوص في هذا كثيرة من الكتاب والسنة، وكلام محققي العلماء من أئمة الدعوة، وغيرهم. فمن ذلك ما ورد في آيات الهجرة، وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ( ) . {لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} ( ) ، {وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} ( ) ، {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ( ) ، {لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} ( ) وغيرها من الآيات. وكلام المفسرين في هذه الآيات الكريمات ظاهر لا إشكال فيه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ البيعة على أصحابه: أن لا ترى نارُك نارَ المشركين إلا أن تكون حربا لهم ( ) . وغير ذلك من الأحاديث الواردة في الباب.
وهنا مسألة مهمة لا يستهان بها، وهي أن سفر الإنسان لبلادهم لأجل العلاج أو للتجارة أو للسياحة أيسر وأخف من سفره ليكون تلميذا لهم، يتلقى عنهم العلوم، ويأتمر بما يأمرونه به، وينتهي عما ينهونه عنه، فإن هذا أعظم جُرما وأشد خطرا. قال اللَّه تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ( ) . وليس المقصود استيفاء ما ورد في هذا الباب، فنكتفي منه بهذه العجالة. واللَّه الموفق.
قال تعالى"لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم..."فهل تعني هذه الآية أننا يجب ألاَّ نكن أي عاطفة لأقاربنا من غير المسلمين، حتى ولو كان عندهم اهتمام بالإسلام، ولا يعادون إيماننا؟ أم أن هناك فرقًا بين العاطفة الفطرية والعاطفة بسبب الإيمان؟ هل يكون من الجائز للمسلم أن يكره كفر أقاربه، ومع ذلك يبقى لديه نوع من العاطفة الفطرية نحوهم؟ هل مثل هذه العاطفة تخرج المسلم من الملة؟ أرجو توضيح الأمر.
الحمد لله، الواجب على من منّ الله عليه بالإسلام والإيمان والتوحيد أن يبغض الشرك وأهله، فإن كانوا محاربين فعليه أن يعاديهم بكل ما يستطيع، وإن كانوا مسالمين للمسلمين فيجب بغضهم على كفرهم ومعاداتهم لكفرهم، ولكن من غير أن ينالوا بأذى؛ بل لا مانع من الإحسان إليهم وصلتهم إن كانوا أقارب، وبرهم إن كانوا من الوالدين، كما قال تعالى:"أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون" [لقمان: 15] ، وبغض الكافرين لا يمنع من أداء الحقوق، حق القرابة، وحق الجوار، كما قال - صلى الله عليه وسلم- لما أنذر عشيرته وتبرأ منهم قال:"إن لكم رحمًا عندي سأبلها ببلالها"مسلم (204) ، وقال سبحانه وتعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" [الممتحنة: 8] ، وقوله سبحانه وتعالى:"لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله..." [المجادلة: 22] المراد من يواد الكافرين ولا يبغضهم البغض الإيماني ولا يبرأ منهم ومن دينهم ومعبوداتهم الباطلة فهذا هو الذي لا يكون مسلمًا وإن ادعى الإيمان، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم:"لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" (سبق تخريجها) فالمؤمنون الصادقون يبغضون الكافرين وإن كانوا أقرب الأقارب إليهم، وعلى هذا فيجتمع في قلب المؤمن المحبة الفطرية الطبيعية والبغض الديني، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب أبا طالب لقرابته ولنصرته له وهو يبغضه لكفره، ولهذا كان حريصًا على هدايته ولكن الله سبحانه وتعالى بحكمته لم يوفقه للإيمان؛ لأنه تعالى أعلم بمن هو أهل لذلك قال تعالى:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين" [القصص: 56] ، فلك أيها السائل أن تصل أقاربك وأن تبر بالوالدين، وأن تحسن إلى جيرانك وإن كانوا كفارًا، ما داموا لا يجاهرون بعداوة الإسلام والمسلمين، وأما من أعلن محاربته للمسلمين فالواجب محاربته وجهاده حتى يدخل في الإسلام أو يعطي الجزية كما قال تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" [التوبة:29] والله أعلم.
الولاية بين المؤمن وغيره (2)
المفتي
عطية صقر .
مايو 1997
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
(1) - فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 7 / ص 376)
(2) - فتاوى الأزهر - (ج 10 / ص 274)