وكذلك القاضي والشاهد والمفتي،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضي به فهو في الجنة، ورجل قضي للناس على جهل فهو في النار، / ورجل علم الحق فقضي بخلاف ذلك فهو في النار ) . وقد قال تعإلى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ على أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَي بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَي أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [ النساء: 135 ] ، واللَي: هو الكذب . والإعراض: كتمان الحق، ومثله ما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ) .
ثم القائل في ذلك بعلم لابد له من حسن النية، فلو تكلم بحق لقصد العلو في الأرض أو الفساد، كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء . وإن تكلم لأجل الله ـ تعإلى ـ مخلصًا له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله، من ورثة الأنبياء، خلفاء الرسل . وليس هذا الباب مخالفًا لقوله: ( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره ) ، فإن الأخ هو المؤمن، والأخ المؤمن إن كان صادقًا في إيمانه لم يكره ما قلته من هذا الحق الذي يحبه الله ورسوله، وإن كان فيه شهادة عليه وعلى ذويه، بل عليه أن يقوم بالقسط، ويكون شاهدًا لله ولو على نفسه أو والديه أو أقربيه . ومتى كره هذا الحق،كان ناقصًا في إيمانه،ينقص من أخوته بقدر ما نقص من إيمانه،فلم يعتبر كراهته من الجهة التي نقص منها إيمانه؛ إذ كراهته لما /لا يحبه الله ورسوله توجب تقديم محبة الله ورسوله،كما قال تعإلى: { وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [ التوبة: 62 ] .
ثم قد يقال: هذا لم يدخل في حديث الغيبة لفظًا ومعني . وقد يقال: دخل في ذلك الذين خص منه، كما يخص العموم اللفظي والعموم المعنوي . وسواء زال الحكم لزوال سببه أو لوجود مانعه، فالحكم واحد . والنزاع في ذلك يؤول إلى اللفظ، إذ العلة قد يعني بها التامة، وقد يعني بها المقتضية . والله أعلم وأحكم . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
فأجاب:
لا ولاية له عليهم في النكاح، كما لا ولاية له عليهم في الميراث، فلا يزوج المسلم الكافرة، سواء كانت بنته أو غيرها، ولا يرث كافر مسلما، ولا مسلم كافرا . وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف، / لكن المسلم إذا كان مالكًا للأمة زوجها بحكم الملك، وكذلك إذا كان ولي أمر زواجها بحكم الولاية . وأما بالقرابة والعتاقة فلا يزوجها؛ إذ ليس في ذلك إلا خلاف شاذ عن بعض أصحاب مالك في النصراني يزوج ابنته، كما نقل عن بعض السلف أنه يرثها؛ وهما قولان شاذان . وقد اتفق المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، ولا يتزوج الكافر المسلمة .
والله ـ سبحانه ـ قد قطع الولاية في كتابه بين المؤمنين والكافرين، وأوجب البراءة بينهم من الطرفين، وأثبت الولاية بين المؤمنين، فقد قال تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ٍ } [ الممتحنة: 4 ] ، وقال تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } [ المجادلة: 22 ] ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } إلى قوله: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ } إلى قوله: { فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة: 51ـ56 ] ، والله تعالى إنما أثبت الولاية بين أولى الأرحام بشرط الإيمان، كما قال تعالى: { وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ } [ الأحزاب: 6 ] ، وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } إلى قوله: { وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } إلى قوله: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } [ الأنفال: 72ـ75 ] .
فصل: ( الرد على الإتحادية ) (2)
وأما اتحاد ذات العبد بذات الرب، بل اتحاد ذات عبد بذات عبد، أو حلول حقيقة في حقيقة ـ كحلول الماء في الوعاء ـ فهذا باطل قطعًا، بل ذلك باطل في العبد مع العبد، فإنه لا تتحد ذاته بذاته، ولا تحل ذات أحدهما في ذات الآخر .
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 32 / ص 35)
(2) - مجموع الفتاوى - (ج 2 / ص 435)