وفي معني هذا نصح الرجل فيمن يعامله، ومن يوكله ويوصي إليه، ومن يستشهده، بل ومن يتحاكم إليه . وأمثال ذلك . وإذا كان هذا في مصلحة خاصة، فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين: من الأمراء والحكام والشهود والعمال: أهل الديوان وغيرهم ؟ فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: / ( الدين النصيحة، الدين النصيحة ) قالوا: لمن يا رسول اللّه ؟ قال: ( للّه ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) .
وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشوري: أَمِّرْ فلانا وفلانا، فجعل يذكر في حق كل واحد من الستة ـ وهم أفضل الأمة ـ أمرًا جعله مانعًا له من تعيينه .
وإذا كان النصح واجبًا في المصالح الدينية الخاصة والعامة: مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون، كما قال يحيي بن سعيد: سألت مالكا والثوري والليث بن سعد ـ أظنه ـ والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ، فقالوا: بين أمره . وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: إنه يثقل على أن أقول فلان كذا، وفلان كذا . فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم ؟ !
ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع ؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل . فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس/ الجهاد في سبيل اللّه؛ إذ تطهير سبيل اللّه ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين . ولولا من يقيمه اللّه لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا، لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) . وذلك أن اللّه يقول في كتابه: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } [ الحديد: 25 ] . فأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنه أنزل الحديد، كما ذكره . فقوام الدين بالكتاب الهادي، والسيف الناصر { وَكَفَي بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } [ الفرقان: 31 ] .
والكتاب هو الأصل؛ ولهذا أول ما بعث اللّه رسوله أنزل عليه الكتاب، ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد .
وأعداء الدين نوعان: الكفار، والمنافقون . وقد أمر اللّه نبيه/ بجهاد الطائفتين في قوله: { جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عليهمْ } [ التوبة: 73، والتحريم 9 ] في آيتين من القرآن .
فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعا تخالف الكتاب، ويلبسونها على الناس، ولم تبين للناس، فسد أمر الكتاب، وبدل الدين، كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله .
وإذا كان أقوام ليسوا منافقين، لكنهم سماعون للمنافقين، قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقًا، وهو مخالف للكتاب، وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين، كما قال تعإلى: { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ } [ التوبة: 47 ] ، فلابد ـ أيضًا ـ من بيان حال هؤلاء، بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين، فلابد من التحذير من تلك البدع، وإن اقتضي ذلك ذكرهم وتعيينهم، بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق، لكن قالوها ظانين أنها هدي، وأنها خير، وأنها دين، ولو لم تكن كذلك، لوجب بيان حالها .
ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية، ومن /يغلط في الرأي والفتيا، ومن يغلط في الزهد والعبادة، وإن كان المخطئ المجتهد مغفورًا له خطؤه، وهو مأجور على اجتهاده، فبيان القول والعمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة واجب، وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله . ومن علم منه الاجتهاد السائغ، فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم له، فإن الله غفر له خطأه، بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوي موالاته ومحبته، والقيام بما أوجب الله من حقوقه: من ثناء ودعاء وغير ذلك، وإن علم منه النفاق، كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل عبد الله بن أبي وذويه، وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة ـ عبد الله بن سبأ وأمثاله مثل عبد القدوس بن الحجاج، ومحمد بن سعيد المصلوب ـ فهذا يذكر بالنفاق . وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقًا أو مؤمنًا مخطئًا ذكر بما يعلم منه، فلا يحل للرجل أن يقفو ما ليس له به علم، ولا يحل له أن يتكلم في هذا الباب إلا قاصدًا بذلك وجه الله ـ تعإلى ـ وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله . فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه، كان آثمًا .