فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 443

"فصل"وتأمل قول المسيح"إن اركون العالم سيأتي"وأركون العالم هو سيد العالم وعظيمه. ومن الذي ساد العالم وأطاعه العالم بعد المسيح غير النبي صلى الله عليه وسلم؟! وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل ما أول أمرك قال"أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى"وطابق بين هذا وبين هذه البشارات التي ذكرها المسيح، فمن الذي ساد العالم باطنا وظاهرا وانقادت له القلوب والأجساد وأطيع في السر والعلانية في محياه وبعد مماته في جميع الأعصار، وأفضل الأقاليم والأمصار، وسارت دعوته مسير الشمس، وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار، وخرت لمجيئه الأمم على الأذقان، وبطلت به عبادة الأوثان، وقامت به دعوة الرحمن، واضمحلت به دعوة الشيطان، وأذل الكافرين والجاحدين، وأعز المؤمنين وجاء بالحق وصدق المرسلين، حتى أهلن بالتوحيد على رؤوس الأشهاد، وعبد الله وحده لا شريك له في كل حاضر وباد، وامتلأت به الأرض تحميدا وتكبيرا الله وتهليلا، وتسبيحا، واكتست به بعد الظلم والظلام عدلا ونورا.

"فصل"وطابق بين قول المسيح"إن اركون العالم سيأتيكم"وقول أخيه محمد صلى الله عليه وسلم"أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي، وأنا خطيب الأنبياء إذا وفدوا وأمامهم إذا اجتمعوا ومبشرهم إذا وفدوا إمامهم إذا اجتمعوا ومبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي."

النصارى آمنوا بمسيح لا وجود له

واليهود ينتظرون المسيح الدجال!!

"فصل"وفي قول المسيح في هذه البشارة"وليس لي من الأمر شيء"إشارة إلى التوحيد وأن الأمر كله لله، فتضمنت هذه البشارة أصلي الدين: إثبات التوحيد، وغثبات النبوة وهذا الذي قاله المسيح مطابق لما جاء به أخوه محمد بن عبد الله عن ربه من قوله له"ليس لك من الأمر شيء"فمن تأمل حال الرسولين الكريمين ودعوتهما وجدهما متوافقين متطابقين حذو القذة بالقذة، وأنه لا يمكن التصديق بأحدهما مع التكذيب بالآخر البتة، وأن المكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد تكذيبا للمسيح الذي هو المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله؛ وإن آمن بمسيح لا حقيقة له ولا وجود وهو أبطل الباطل، وقد قال يوحنا في كتاب أخبار الحواريين وهو يسمونه اقراكيس:"أحبابي إياكم أن تؤمنوا بكل روح، لكن ميزوا الأرواح التي من عند الله من غيرها واعلموا أن كل روح تؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء وكان جسدانيا فهي من عند الله وكل روح لا تؤمن بأن المسيح قد جاء وكان جسدانيا فليست من عند الله بل من المسيح الكذاب الذي هو الآن في العالم"فالمسلمون يؤمون بالمسيح الصادق الذي جاء من عند الله بالهدى ودين الحق هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، والنصارى إنما تؤمن بمسيح دعى إلى عبادة نفسه وأمه وأنه ثالث ثلاثة وأنه الله وابن الله، وهذا هو أخو المسيح الكذاب لو كان له وجود، فإن المسيح الكذاب يزعم أنه الله، والنصارى في الحقيقة اتباع هذا المسيح، كما أن اليهود إنما ينتظرون خروجه، وهم يزعمون أنهم ينتظرون النبي الذي بشروا به، فعوضهم الشيطان بعد مجيئه من الإيمان به انتظارا للمسيح الدجال. وهكذا كل من أعرض عن الحق يعوض عنه بالباطل.

وفي تنبيه الغافلين : وقال بعض العلماء: حرمة الزاهدين عشرة أشياء:(1)

أولها عداوة الشيطان يرونها واجبة على أنفسهم لقوله عز وجل

{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} ، والثاني لا يعملون عملًا إلا بالحجة: يعني لا يعملون عملًا إلا بعد ما ثبتت لهم الحجة يوم القيامة لقول اللَّه عزّ وجل {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} يعني حجتكم، والثالث أنهم مستعدون للموت لقول اللَّه تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ} ، والرابع يحبون في اللَّه ويبغضون في اللَّه لقول اللَّه عز وجل {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ} يعني من كان مؤمنًا لا تكون له صداقة مع من يخالف أمر اللَّه ولو كان أباه أو ابنه أو إخوانه وعشيرته، والخامس أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لقول اللَّه عزّ وجل {وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ، والسادس أنهم يعتبرون ويتفكرون في أمر اللَّه تعالى لقول اللَّه عزّ وجل {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ، وقال في آية أخرى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} والسابع يحرسون قلوبهم لكيلا يتفكروا فيما لم يكن فيه رضا اللَّه سبحانه وتعالى لقول اللَّه تعالى {إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} ، والثامن أن لا يأمن مكر اللَّه لقول اللَّه تعالى {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّه إِلا القَوْمُ الخَاسِرُونَ} ، والتاسع أن لا يقنطوا من رحمة اللَّه لقوله تعالى {لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} ، والعاشر لا يفرحون بما آتاهم اللَّه من الدنيا ولا يحزنون على ما فاتهم لقوله تعالى {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} ، يعني أن العبد لا يعلم بأن الصلاح فيما يفوته أو فيما يأتيه فينبغي أن يكون في الحالين سواء،

(1) - تنبيه الغافلين ص 317

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت