فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 443

ومن العجيب أن بعض المنتسبين إلى المتصوفة وليس منهم ولا قلامة ظفر يوالي الظلمة بل من لا علاقة له بالدين منهم وينصرهم بالباطل ويظهر من محبتهم ما يضيق عن شرحه صدر القرطاس ، وإذا تليت عليه آيات الله تعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم الزاجرة عن مثل ذلك يقول: سأعالج قلبي بقراءة نحو ورقتين من كتاب المثنوي الشريف لمولانا جلال الدين القونوي قدس سره وأذهب ظلمته إن كانت بما يحصل لي من الأنوار حال قراءته ، وهذا لعمري هو الضلال البعيد ، وينبغي للمؤمنين اجتناب مثل هؤلاء { وَلَوْ كَانُواْ } أي من حادّ الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ، والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد فيما قبل باعتبار لفظها { ءابَاءهُمُ } أي الموادين { أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } فإن قضية الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر الذي يحشر المرء فيه مع من أحب أن يهجروا الجميع بالمرة ، وليس المراد بمن ذكر خصوصهم وإنما المراد الأقارب مطلقًا ، وقدم الآباء لأنه يجب على أبنائهم طاعتهم ومصاحبتهم في الدنيا بالمعروف ، وثنى بالأبناء لأنهم أعلق بهم لكونهم أكبادهم ، وثلث بالأخوان لأنهم الناصرون لهم:

أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجاء بغير سلاح

وختم بالعشيرة لأن الاعتماد عليهم والتناصر بهم بعد الإخوان غالبًا:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

إذًا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا

لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا

وقرأ أبو رجاء وعشائرهم بالجمع { أولئك } إشارة إلى الذين لا يوادونهم وإن كانوا أقرب الناس إليهم وأمسهم رحمًا بهم وما فيه من معنى البعد لرفعة درجتهم في الفضل ، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى:

{ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ } أي أثبته الله تعالى فيها ولما كان الشيء يراد أولًا ثم يقال ثم يكتب عبر عن المبدأ بالمنتهى للتأكيد والمبالغة ، وفيه دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان فإن جزء الثابت في القلب ثابت فيه قطعًا ، ولا شيء من أعمال الجوارح يثبت فيه .

وقرأ أبو حيوة . والمفضل عن عاصم { إِنَّ كتاب } مبنيًا للمفعول { الايمان } بالرفع على النيابة عن الفاعل .

{ وَأَيَّدَهُمْ } أي قواهم { بِرُوحٍ مّنْهُ } أي من عنده عز وجل على أن من ابتدائية ، والمراد بالروح نور القلب وهو نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده تحصل به الطمأنينة والعروج على معارج التحقيق ، وتسميته روحًا مجاز مرسل لأنه سبب للحياة الطيبة الأبدية ، وجوز كونه استعارة ، وقول بعض الأجلة: إن نور القلب ما سماه الأطباء روحًا وهو الشعاع اللطيف المتكون في القلب وبه الإدراك فالروح على حقيقته ليس بشيء كما لا يخفى ، أو المراد به القرآن على الاحتمالين السابقين ، واختيرت الاستعارة أو جبريل عليه السلام وذلك يوم بدر ، وإطلاق الروح عليه شائع أقوال .

وقيل: ضمير { فِيهِ } للإيمان ، والمراد بالروح الإيمان أيضًا ، والكلام على التجريد البديعي فمن بيانية أو ابتدائية على الخلاف فيها ، وإطلاق الروح على الإيمان على ما مر؛ وقوله تعالى: { وَيُدْخِلُهُمُ } الخ بيان لآثار رحمته تعالى الأخروية إثر بيان ألطافه سبحانه الدنيوية أي ويدخلهم في الآخرة .

{ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا } أبد الآبدين ، وقوله تعالى: { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } استئناف جار مجرى التعليل لما أفاض سبحانه عليهم من آثار رحمته عز وجل العاجلة والآجلة ، وقوله تعالى: { وَرَضُواْ عَنْهُ } بيان لابتهاجهم بما أوتوه عاجلًا وآجلًا ، وقوله تعالى: { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الله } تشريف لهم ببيان اختصاصهم به تعالى ، وقوله سبحانه: { أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون } بيان لاختصاصهم بسعادة الدارين ، والكلام في تحلية الجملة بإلا . وإن على ما مر في أمثالها ، والآية قيل: نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه .

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: حدثت أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر صكة فسقط؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفعلت يا أبا بكر؟ قال: نعم ، قال: لا تعد ، قال: والله لو كان السيف قريبًا مني لضربته وفي رواية لقتلته فنزلت { لاَّ تَجِدُ قَوْمًا } الآيات .

وقيل: في أبي عبيدة بن عبد الله بن الجراح ، أخرج ابن أبي حاتم . والطبراني . وأبو نعيم في «الحلية» . والبيهقي في سننه عن ابن عباس عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة يتصدى له يوم بدر وجعل أبو عبيدة يحيد عنه فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله فنزلت { لاَّ تَجِدُ } الخ ، وفي «الكشاف» أن أبا عبيدة قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد ، وقال الواقدي في قصة قتله إياه: كذلك يقول أهل الشام ، وقد سألت رجالًا من بني فهر فقالوا: توفي أبوه قبل الإسلام أي في الجاهلية قبل ظهور الإسلام انتهى .

والحق أنه قتله في بدر ، أخرج البخاري . ومسلم عن أنس قال: كان أي أبو عبيدة قتل أباه وهو من جملة أسارى بدر بيده لما سمع منه في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكره ونهاه فلم ينته ، وقيل: نزلت فيه حيث قتل أباه . وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز ، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دعني أكون في الرعلة الأولى وهي القطعة من الخيل قال: « متعنا بنفسك يا أبا بكر ما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري » وفي مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد . وفي عمر قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر . وفي علي كرم الله تعالى وجهه . وحمزة . وعبيدة بن الحرث قتلوا عتبة . وشيبة ابني ربيعة . والوليد بن عتبة يوم بدر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت