ولهذا قال في الحديث الصحيح ـ حديث المباهاة ـ: ( إنه يدنوا عشية عرفة فيباهى الملائكة بأهل الموقف فيقول: انظروا إلى عبادى، أتونى شعثًا غبرًا ما أراد هؤلاء ؟ ) وشعث الرأس واغبراره لا يكون مع تخميره، فإن المخمر لا يصيبه الغبار ولا يشعث بالشمس والريح وغيرهما؛ ولهذا كان من لبد رأسه يحصل له نوع متعة بذلك يؤمر بالحلق فلا يقصر، وهذا بخلاف القعود في ظل أو سقف أو خيمة أو شجر أو ثوب يظلل به، فإن هذا جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ لأن ذلك لا يمنع الشعث ولا الاغبرار وليس فيه تخمير الرأس .
وإنما تنازع الناس فيمن يستظل بالمحمل؛ لأنه ملازم للراكب كما تلازمه العمامة لكنه منفصل عنه، فمن نهى عنه اعتبر ملازمته له، ومن رخص فيه اعتبر انفصاله عنه . فأما المنفصل الذي لا يلازم، فهذا يباح بالإجماع . والمتصل الملازم منهى عنه باتفاق الأئمة .
ومن لم يلحظ المعاني ـ من خطاب الله ورسوله ـ ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر، كالذين يقولون: إن قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [ الإسراء: 23 ] لا يفيد النهى عن الضرب، وهو إحدى الروايتين عن داود؛ واختاره ابن حزم، وهذا في غاية الضعف، بل وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فمازال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا .
كما أنه إذا قال في الحديث الصحيح: ( والذي نفسي بيده لا يؤمن ) ـ كررها ثلاثًا ـ قالوا: من يا رسول الله ؟ قال: ( من لا يأمن جاره بوائقه ) ، فإذا كان هذا بمجرد الخوف من بوائقه، فكيف من فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه ؟ كما في الصحيح عنه أنه قيل له: أي الذنب أعظم ؟ قال: ( أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك ) ، قيل: ثم ماذا ؟ قال: ( أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ) ، قيل: ثم أي ؟ قال: ( أن تزاني بحليلة جارك ) ، ومعلوم أن الجار لا يعرف هذا في العادة، فهذا أولى بسلب الإيمان ممن لا تؤمن بوائقه ولم يفعل مثل هذا .
وكذلك إذا قال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [ النساء: 65 ] ، فإذا كان هؤلاء لا يؤمنون، فالذين لا يحكمونه ويردون حكمه ويجدون حرجًا مما قضى؛ لاعتقادهم أن غيره أصح منه أو أنه ليس بحكم سديد أشد وأعظم .
وكذلك إذا قال: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [ المجادلة: 22 ] ، فإذا كان بموادة المحاد لا يكون مؤمنًا فألا يكون مؤمنًا ـ إذا حاد ـ بطريق الأولى والأحرى . وكذلك إذا نهى الرجل أن يستنجى بالعظم والروثة لأنهما طعام الجن وعلف دوابهم، فإنهم يعلمون أن نهيه عن الاستنجاء بطعام الإنس وعلف دوابهم أولى وإن لم يدل ذلك اللفظ عليه . وكذلك إذا نهى عن قتل الأولاد مع الإملاق، فنهيه عن ذلك مع الغنى واليسار أولى وأحرى .
فالتخصيص بالذكر قد يكون للحاجة إلى معرفته، وقد يكون المسكوت عنه أولى بالحكم . فتخصيص القميص دون الجباب، والعمائم دون القلانس، والسراويلات دون التبابين، هو من هذا الباب؛ لا لأن كل ما لا يتناوله اللفظ فقد أُذن فيه .
وكذلك أمره بصب ذَنُوب من ماء على بول الأعرابي ـ مع ما فيه من اختلاط الماء بالبول وسريان ذلك لكن قصد به تعجيل التطهير ـ لا لأن النجاسة لا تزول بغير ذلك؛ بل الشمس والريح والاستحالة تزيل النجاسة أعظم من هذا؛ ولهذا كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك .
وكذلك اتفق الفقهاء على أن من توضأ وضوءًا كاملا ثم لبس الخفين جاز له المسح بلا نزاع، ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم فعل بالأخرى مثل ذلك ففيه قولان هما روايتان عن أحمد:
إحداهما: يجوز المسح، وهو مذهب أبي حنيفة .
والثانية: لا يجوز، وهو مذهب مالك والشافعي . قال هؤلاء: لأن الواجب ابتداء اللبس على الطهارة، فلو لبسهما وتوضأ وغسل رجليه فيهما، لم يجز له المسح حتى يخلع ما لبس قبل تمام طهرهما فيلبسه بعده . وكذلك في تلك الصورة قالوا: يخلع الرجل الأولى ثم يدخلها في الخف، واحتجوا بقوله: ( إني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان ) ، قالوا: وهذا أدخلهما وليستا طاهرتين .
والقول الأول هو الصواب بلا شك . وإذا جاز المسح لمن توضأ خارجا ثم لبسهما فلأن يجوز لمن توضأ فيهما بطريق الأولى، فإن هذا فعل الطهارة فيهما واستدامها فيهما، وذلك فعل الطهارة خارجا عنهما، وإدخال هذا قدميه الخف مع الحدث وجوده كعدمه، لا ينفعه ولا يضره . وإنما الاعتبار بالطهارة الموجودة بعد ذلك، فإن هذا ليس بفعل محرم كمس المصحف مع الحدث .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إني أدخلتهما الخف وهما طاهرتان ) حق، فإنه بين أن هذا علة لجواز المسح، فكل من أدخلهما طاهرتين فله المسح . وهو لم يقل: إن من لم يفعل ذلك لم يمسح، لكن دلالة اللفظ عليه بطريق المفهوم والتعليل، فينبغى أن ينظر حكمة التخصيص: هل بعض المسكوت أولى بالحكم ؟ ومعلوم أن ذكر إدخالهما طاهرتين؛ لأن هذا هو المعتاد، وليس غسلهما في الخفين معتاد، وإلا فإذا غسلهما في الخف فهو أبلغ، وإلا فأي فائدة في نزع الخف ثم لبسه من غير إحداث شيء فيه منفعة ؟ وهل هذا إلا عبث محض ينزه الشارع عن الأمر به ؟ ولو قال الرجل لغيره: أدخل مالى وأهلى إلى بيتى ـ وكان في بيته بعض أهله وماله ـ هل يؤمر بأن يخرجه ثم يدخله ؟