فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 443

وأما الرداء فوق السراويل فمن الناس من يستحبه تشبهًا بهم . ومنهم من لا يستحبه لعدم المنفعة فيه؛ ولأن عادتهم المعروفة لبسه مع الإزار . ومن اعتاد الرداء ثبت على جسده بعطف أحد طرفيه، وإذا حج من لم يتعود لبسه وكان رداؤه صغيرًا لم يثبت إلا بعقده، وكانت حاجتهم إلى عقده كحاجة من لم يجد النعلين إلى الخفين . فإن الحاجة إلى ستر البدن قد تكون أعظم من الحاجة إلى ستر القدمين، والتحفي في المشي يفعله كثير من الناس . وأما إظهار بدنه للحر والبرد والريح والشمس فهذا يضر غالب الناس .

وأيضًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي بستر ذلك فقال: ( لا يصلين بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ) . وتجوز الصلاة حافيًا، فعلم أن ستر هذا، إلى الله أحب من ستر القدمين بالنعلين؛ فإذا كان ذلك للحاجة العامة، رخص فيه في البدن من غير فدية فلأن يرخص في هذا بطريق الأولى والأحرى .

فإن قيل: فينبغي أن يرخص في لبس القميص والجبة ونحوهما لمن لم يجد الرداء .

قيل: الحاجة تندفع بأن يلتحف بذلك عرضًا مع ربطه وعقد طرفيه فيكون كالرداء، بخلاف ما إذا لم يمكنه الربط، فإن طرفي القميص والجبة ونحوهما لا يثبت على منكبيه . وكذلك الأرّدية الصغار، فما وجده المحرم من قميص وما يشبهه كالجبة، ومن برنس وما يشبهه من ثياب مقطعة، أمكنه أن يرتدي بها إذا ربطها، فيجب أن يرخص له في ذلك لو كان العقد في الأصل محظورًا، وكذلك إن كان مكروها . فعند الحاجة تزول الكراهة، كما رخص له أن يلبس الهميان لحفظ ماله، ويعقد طرفيه إذا لم يثبت إلا بالعقد؛ وهو إلى ستر منكبيه أحوج، فرخص له عقد ذلك عند الحاجة بلا ريب، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيما يحرم على المحرم وما ينهى عنه لفظًا عامًا يتناول عقد الرداء، بل سئل صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم من الثياب فقال: ( لا يلبس القميص ولا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف، إلا من لم يجد نعلين ) الحديث .

فنهى عن خمسة أنوع من الثياب التي تلبس على البدن وهى القميص، وفي معناه الجبة وأشباهها؛ فإنه لم يرد تحريم هذه الخمسة فقط، بل أراد تحريم هذه الأجناس ونبه على كل جنس بنوع منها . وذكر ما احتاج المخاطبون إلى معرفته، وهو ما كانوا يلبسونه غالبًا . والدليل على ذلك: ما ثبت عنه في الصحيحين أنه سئل قبل ذلك عمن أحرم بالعمرة وعليه جبة فقال: ( انزع عنك الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حجك ) . وكان هذا في عمرة القضية: فعلم أن تحريم الجبة كان مشروعًا قبل هذا ولم يذكرها بلفظها في الحديث .

وأيضًا، فقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال في المحرم الذي وقصته ناقته: ( ولا تخمروا رأسه ) وفي مسلم: ( ووجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا ) ، فنهاهم عن تخمير رأسه لبقاء الإحرام عليه لكونه يبعث يوم القيامة ملبيًا، كما أمرهم ألا يقربوه طيبًا، فعلم أن المحرم ينهى عن هذا وهذا . وإنما في هذا الحديث النهى عن لبس العمائم، فَعُلِم أنه أراد النهى عن ذلك وعما يشبهه في تخمير الرأس، فذكر ما يخمر الرأس وما يلبس على البدن كالقميص والجبة، وما يلبس عليهما جميعًا وهو البرنس، وذكر ما يلبس في النصف الأسفل من البدن وهو السراويل والثياب، والتبان في معناه . وكذلك ما يلبس في الرجلين وهو الخف، ومعلوم أن الجرموق والجورب في معناه، فهذا ينهى عنه المحرم فكذلك يجوز عليه المسح للحلال، والمحرم الذي جاز له لبسه فإن الذي نهى عنه المحرم أمر بالمسح عليه .

وهذا كما أنه لما أمر بالاستجمار بالأحجار لم يختص الحجر إلا لأنه كان الموجود غالبًا؛ لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره كما هو أظهر الروايتين عن أحمد لنهيه عن الاستجمار بالروث والرمة، وقال: ( إنهما طعام إخوانكم من الجن ) ، فلما نهى عن هذين تعليلًا بهذه العلة علم أن الحكم ليس مختصًا بالحجر وإلا لم يحتج إلى ذلك .

وكذلك أمره بصدقة الفطر بصاع من تمر أو شعير -هو عند أكثر العلماء- لكونه كان قوتًا للناس، فأهل كل بلد يخرجون من قوتهم وإن لم يكن من الأصناف الخمسة، كالذين يقتاتون الرز أو الذرة، يخرجون من ذلك عند أكثر العلماء . وهو إحدى الروايتين عن أحمد .

وليس نهيه عن الاستجمار بالروث والرمة إذنا في الاستجمار بكل شيء، بل الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهى عنه من طعام الجن وعلف دوابهم، ولكن لما كان من عادة الناس أنهم لا يتوقون الاستجمار بما نهى عنه من ذلك؛ بخلاف طعام الإنس وعلف دوابهم فإنه لا يوجد من يفعله في العادة الغالبة .

وكذلك هذه الأصناف الخمسة نهى عنها وقد سئل ما يلبس المحرم من الثياب، وظاهر لفظه أنه أذن فيما سواها؛ لأنه سئل عما يلبس لا عما لا يلبس، فلو لم يفد كلامه الإذن فيما سواها لم يكن قد أجاب السائل، لكن كان الملبوس المعتاد عندهم مما يحرم على المحرم هذه الخمسة ـ والقوم لهم عقل وفقه ـ فيعلم أحدهم أنه إذا نهى عن القميص وهو طاق واحد فلأن ينهى عن المبطنة، وعن الجبة المحشوة، وعن الفروة التي هى كالقميص، وما شاكل ذلك، بطريق الأولى والأحرى؛ لأن هذه الأمور فيها ما في القميص وزيادة فلا يجوز أن يأذن فيها مع نهيه عن القميص .

وكذلك التُّبان أبلغ من السراويل، والعمامة تلبس في العادة فوق غيرها: إما قلنسوة أو كلثة أو نحو ذلك، فإذا نهى عن العمامة التي لا تباشر الرأس فنهيه عن القلنسوة والكلثة ونحوها مما يباشر الرأس أولى؛ فإن ذلك أقرب إلى تخمير الرأس والمحرم أشعث أغبر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت