وهكذا اجتهاد العلماء ـ رضي الله عنهم ـ في النصوص: يسمع أحدهم النص المطلق فيأخذ به، ولا يبلغه ما يبلغ مثله من تقييده وتخصيصه . والله لم يحرم على الناس - في الإحرام ولا غيره ـ ما يحتاجون إليه حاجة عامة، ولا أمر ـ مع هذه الرخصة في الحاجة العامة ـ أن يفسد الإنسان خفه أو سراويله بقطع أو فتق، كما أفتى بذلك ابن عباس وغيره ممن سمع السنة المتأخرة، وإنما أمر بالقطع أولًا ليصير المقطوع كالنعل، فأمر بالقطع قبل أن يشرع البدل؛ لأن المقطوع يجوز لبسه مطلقًا، وإنما قال: ( لمن لم يجد ) ؛ لأن القطع مع وجود النعل إفساد للخف، وإفساد المال ـ من غير حاجة ـ منهي عنه، بخلاف ما إذا عدم الخف، فلهذا جعل بدلا في هذه الحال لأجل فساد المال، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قام أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ! ولكن عن شماله أو تحت قدمه ) هذه رواية أنس . وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال: ( ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه ؟ أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه ؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تخت قدمه، فإن لم يجد ـ قال هكذا ـ وتفل في ثوبه ووضع بعضه على بعض ) فأمر بالبصاق في الثوب إذا تعذر لا لأن البصاق في الثوب بدل شرعي، لكن مثل ذلك يلوث الثوب من غير حاجة .
وفي الاستجمار أمر بثلاثة أحجار فمن لم يجد فثلاث حثيات من تراب، لأن التراب لا يتمكن به كما يتمكن بالحجر لا لأنه بدل شرعي، ونظائره كثيرة، فدلت نصوصه الكريمة على أن الصواب في هذه المسائل توسعة شريعته الحنيفية،وأنه ما جعل على أمته من حرج . وكل قول دلت عليه نصوصه قالت به طائفة من العلماء ـ رضي الله عنهم ـ فلم تجمع الأمة ـ ولله الحمد ـ على رد شيء من ذلك؛ إذ كانوا لا يجتمعون على ضلالة، بل عليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرسول وإذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، تبين كمال دينه وتصديق بعضه لبعض . وإن من أفتى من السلف والخلف بخلاف ذلك ـ مع اجتهاده وتقواه لله بحسب استطاعته ـ فهو مأجور في ذلك لا إثم عليه، وإن كان الذي أصاب الحق فيعرفه له أجران وهو أعلم منه، كالمجتهدين في جهة الكعبة .
وابن عمر ـ رضي لله عنه ـ كان كثير الحج وكان يفتي الناس في المناسك كثيرًا، وكان في آخر عمره قد احتاج إليه الناس وإلى علمه ودينه؛ إذ كان ابن عباس مات قبله، وكان ابن عمر يفتي بحسب ما سمعه وفهمه؛ فلهذا يوجد في مسائله أقوال فيها ضيق، لورعه ودينه ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ وكان قد رجع عن كثير منها: كما رجع عن أمر النساء بقطع الخفين، وعن الحائض أمر ألا تنفر حتي تودع، وغير ذلك . وكان يأمر الرجال بالقطع؛ إذ لم يبلغه الخبر الناسخ .
وأما ابن عباس فكان يبيح للرجال لبس الخف بلا قطع إذا لم يجدوا النعلين، لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات . وكذلك كان ابن عمر ينهي المحرم عن الطيب حتي يطوف اتباعا لعمر . وأما سعد وابن عباس وغيرهما من الصحابة فبلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه تطيب لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، فأخذوا بذلك .
وكذلك ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ كان إذا مات المحرم يري إحرامه قد انقطع، فلما مات ابنه كفنه في خمسة أثواب، واتبعه على ذلك كثير من الفقهاء . وابن عباس علم حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تقربوه طيبًا ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا ) فأخذ بذلك، وقال: الإحرام باق، يجتنب المحرم إذا مات ما يجتنبه غيره وعلى ذلك فقهاء الحديث وغيرهم .
وكذلك الشهيد . روي عن ابن عمر أنه سئل عن تغسيله ؟ فقال: غسل عمر وهو شهيد . والأكثرون بلغهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد وقوله: ( زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإن أحدهم يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما: اللون لون دم والريح ريح مسك ) ، والحديث في الصحاح، فأخذوا بذلك في شهيد المعركة إذا مات قبل أن يرتث . ونظائر ذلك كثيرة .
واتفق العلماء على أن المحرم يعقد الإزار إذا احتاج إلى ذلك؛ لأنه إنما يثبت بالعقد . وكره ابن عمر للمحرم أن يعقد الرداء، كأنه رأي أنه إذا عقد عقدة صار يشبه القميص الذي ليس له يدان، واتبعه على ذلك أكثر الفقهاء فكرهوه كراهة تحريم، فيوجبون الفدية إذا فعل ذلك . وأما كراهة تنزيه، فلا يوجبون الفدية، وهذا أقرب . ولم ينقل أحد من الصحابة كراهة عقد الرداء الصغير الذي لا يلتحف ولا يثبت بالعادة إلا بالعقد، أو ما يشبهه مثل الخلال وربط الطرفين على حقوه ونحو ذلك، وأهل الحجاز أرضهم ليست باردة، فكانوا يعتادون لبس الأزر والأردية، ولبس السراويل قليل فيهم، حتي إن منهم من كان لا يلبس السراويل قط، منهم عثمان بن عفان وغيره، بخلاف أهل البلاد الباردة لو اقتصروا على الأُزُر والأردية لم يكفهم ذلك، بل يحتاجون إلى القميص والخفاف والفراء والسراويلات؛ ولهذا قال الفقهاء: يستحب مع الرداء الإزار؛ لأنه يستر الفخذين . ويستحب مع القميص السراويل؛ لأنه أستر ومع القميص لا يظهر تقاطيع الخلق، والقميص فوق السراويل يستر، بخلاف الرداء فوق السراويل فإنه لا يستر تقاطيع الخلق .