وذلك الجواب لم يذكره ابتداء لتعلىم جميع الناس، بل سأله سائل وهو على المنبر: ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال: لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتي يكونا أسفل من الكعبين، وابن عمر لم يسمع منه إلا هذا، كما أنه في المواقيت لم يسمع إلا ثلاث مواقيت قوله: ( أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام الجحفة، وأهل نجد قرن ) ، قال ابن عمر: وذكر لي ـ ولم أسمع ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل اليمن يلملم، وهذا الذي ذكر له صحيح قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس، فابن عباس أخبر: أن النبي وقت لأهل اليمن يلملم، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم وقال: ( هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتي أهل مكة من مكة ) ، فكان عند ابن عباس من العلم بهذه السنة ما لم يكن عند ابن عمر . وفي حديثه ذكر أربعة مواقيت، وذكر أحكام الناس كلهم إذا مروا عليها أو أحرموا من دونها .
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يبلغ الدين بحسب ما أمر الله به، فلما كان أهل المدينة قد أسلموا وأسلم أهل نجد وأسلم من كان من ناحية الشام وقت الثلاث، وأهل اليمن إنما أسلموا بعد ذلك، ولهذا لم ير أكثرهم النبي صلى الله عليه وسلم بل كانوا مخضرمين، فلما أسلموا وقت النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوبًا وألين أفئدة، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية ) .
ثم قد روي عنه أنه لما فتحت أطراف العراق وقت لهم ذات عرق، كما روى مسلم هذا من حديث جابر، لكن قال ابن الزبير فيه: أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقطع به غيره . وروي ذلك من حديث عائشة، فكان ما سمعه هؤلاء أكثر مما سمعه غيرهم .
وكذلك ابن عباس وجابر في ترخيصه في الخف والسراويل، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بعرفات يقول: ( السراويلات لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين ) .
وفي صحيح مسلم عن جابر: ( من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل ) . فهذا كلام مبتدأ منه صلى الله عليه وسلم بين فيه في عرفات ـ وهو أعظم مجمع كان له ـ إن من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين . ولم يأمر بقطع ولا فتق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يشهدوا خطبته وما سمعوا أمره بقطع الخفين، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فَعُلِم أن هذا الشرع الذي شرعه الله على لسانه بعرفات لم يكن شرع بعد بالمدينة، وإنه بالمدينة إنما أرخص في لبس النعلين وما يشبههما من المقطوع، فدل ذلك على أن من عدم ما يشبه الخفين يلبس الخف .
الثالث: أنه دل على أنه يلبس سراويل بلا فتق . وهو قول الجمهور والشافعي وأحمد .
الرابع: أنه دل على أن المقطوع كالنعلين يجوز لبسهما مطلقًا، ولبس ما أشبههما من جمجم ومداس وغير ذلك . وهذا مذهب أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد وغيره، وبه كان يفتي جدي أبو البركات ـ رحمه الله ـ في آخر عمره لما حج .
وأبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ تبين له من حديث ابن عمر: أن المقطوع لبسه أصل لا بدل له، فيجوز لبسه مطلقًا، وهذا فهم صحيح منه دون فهم من فهم أنه بدل .
والثلاثة تبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في البدل وهو الخف ولبس السراويل، فمن لبس السراويل إذا عَدِمَ الأصل فلا فدية عليه، وهذا فهم صحيح .
وأحمد فَهِمَ من النص المتأخر الذي شرع فيه البدلان أنه ناسخ للقطع المتقدم . وهذا فهم صحيح .
وأبو حنيفة لم يبلغه هذا فأوجب الفدية على كل من لبس خفا أو سراويل إذا لم يفتقه وإن عدم، كما قال ذلك ابن عمر وغيره، وزاد أن الرخصة في ذلك إنما هي للحاجة، والمحرم إذا احتاج إلى محظور فعله وافتدي .
وأما الأكثرون فقالوا: من لبس البدل فلا فدية عليه، كما أباح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ولم يأمر معه بفدية ولا فتق، قالوا: والناس كلهم محتاجون إلى لبس ما يسترون به عوراتهم وما يلبسونه في أرجلهم، فالحاجة إلى ذلك عامة، وما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فدية، بخلاف ما احتيج إليه لمرض أو برد، ومن ذلك حاجة لعارض؛ ولهذا أرخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء في اللباس مطلقًا من غير فدية، ونهي المحرمة عن النقاب والقفازين، فإن المرأة لما كانت محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستره فدية .
وكذلك حاجة الرجال إلى السراويل والخفاف إذا لم يجدوا الإزار والنعال، وابن عمر ـ رضي الله عنه ـ لما لم يسمع إلا حديث القطع أخذ بعمومه، فكان يأمر النساء بقطع الخفاف، حتي أخبروه بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء في لبس ذلك، كما أنه لما سمع قوله: ( لا ينفرن أحد حتي يكون آخر عهده بالبيت ) أخذ بعمومه في حق الرجال والنساء، فكان يأمر الحائض ألا تنفر حتي تطوف . وكذلك زيد بن ثابت كان يقول ذلك، حتي أخبروهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للحيض أن ينفرن بلا وداع ) .
وتناظر في ذلك زيد وابن عباس وابن الزبير لما سمعا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير أخذًا بالعموم، فكان ابن الزبير يأمر الناس بمنع نسائهم من لبس الحرير، وكان ابن عمر ينهي عن قليله وكثيره، فينزع خيوط الحرير من الثوب . وغيرهما سمع الرخصة للحاجة، وهو الإرخاص للنساء وللرجال في اليسير وفيما يحتاجون إليه للتداوي وغيره؛ لأن ذلك حاجة عامة .