وأول ذلك أن نذكر الأقوال والأفعال على وجه الذم لها والنهي عنها وبيان ما فيها من الفساد، فإن الإنكار بالقلب واللسان قبل الإنكار باليد، وهذه طريقة القرآن فيما يذكره ـ تعالى ـ عن الكفار والفساق والعصاة من أقوالهم وأفعالهم؛ يذكر ذلك على وجه الذم والبغض لها ولأهلها وبيان فسادها وضدها والتحذير منها، كما أن فيما يذكره عن أهل العلم والإيمان، ومن فيهم من أنبيائه وأوليائه على وجه المدح والحب، وبيان صلاحه ومنفعته، والترغيب فيه،وذلك نحو قوله تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [ الأنبياء: 26 ] ، { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم: 88 ـ 95 ] ، { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ } الآيات [ التوبة: 30 ] .
وهذا كثير جدًا، فالذي يحب أقوالهم وأفعالهم هو منهم؛ إما كافر، وإما فاجر بحسب قوله وفعله، وليس منهم من هو بعكسه، وليس عليه عذاب في تركه؛ لكنه لا يثاب على مجرد عدم ذلك، وإنما يثاب على قصده لترك ذلك وإرادته، وذلك مسبوق بالعلم بقبح ذلك وبغضه لله، وهذا العلم والقصد والبغض هو من الإيمان الذي يثاب عليه، وهو أدني الإيمان؛ كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: ( من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده ) إلى آخره، وتغيير القلب يكون بالبغض لذلك وكراهته وذلك لا يكون إلا بعد العلم به وبقبحه، ثم بعد ذلك يكون الإنكار باللسان، ثم يكون باليد، والنبي صلي الله عليه وسلم قال: ( وذلك أضعف الإيمان ) فيمن رأي المنكر .
فأما إذا رآه فلم يعلم أنه منكر ولم يكرهه لم يكن هذا الإيمان موجودًا في القلب في حال وجوده ورؤيته؛ بحيث يجب بغضه / وكراهته، والعلم بقبحه يوجب جهاد الكفار والمنافقين إذا وجدوا، وإذا لم يكن المنكر موجودًا لم يجب ذلك، ويثاب من أنكره عند وجوده، ولا يثاب من لم يوجد عنده حتي ينكره، وكذلك ما يدخل في ذلك من الأقوال والأفعال المنكرات قد يعرض عنها كثير من الناس إعراضهم عن جهاد الكفار والمنافقين، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهؤلاء وإن كانوا من المهاجرين الذين هجروا السيئات، فليسوا من المجاهدين الذين يجاهدون في إزالتها، حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .
فتدبر هذا، فإنه كثيرًا ما يجتمع في كثير من الناس هذان الأمران بغض الكفر وأهله، وبغض الفجور وأهله، وبغض نهيهم وجهادهم، كما يحب المعروف وأهله ولا يحب أن يأمر به ولا يجاهد عليه بالنفس والمال؛ وقد قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا
وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ الحجرات: 15 ] ، وقال تعالى: { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [ التوبة: 24 ] ، وقوله: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } الآية [ المجادلة: 22 ] .
وكثير من الناس، بل أكثرهم كراهتهم للجهاد على المنكرات أعظم من كراهتهم للمنكرات؛ لا سيما إذا كثرت المنكرات وقويت فيها الشبهات والشهوات فربما مالوا إليها تارة وعنها أخري، فتكون نفس أحدهم لَوَّامَةً بعد أن كانت أَمَّارَةً، ثم إذا ارتقي إلى الحال الأعلى في هجر السيئات، وصارت نفسه مطمئنة تاركة للمنكرات والمكروهات، لا تحب الجهاد ومصابرة العدو على ذلك، واحتمال ما يؤذيه من الأقوال والأفعال، فإن هذا شيء آخر داخل في قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } الآيات، إلى قوله: { وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا } [ النساء: 77 ـ 85 ] ، والشفاعة: الإعانة؛ إذ المعين قد صار شفعًا للمعان، فكل من أعان على بر أو تقوي كان له نصيب منه، ومن أعان على الإثم والعدوان كان له كِفْلٌ منه، وهذا حال الناس فيما يفعلونه بقلوبهم وألسنتهم وأيديهم من الإعانة على البر والتقوي، والإعانة على الإثم والعدوان، ومن ذلك الجهاد بالنفس والمال على ذلك من الجانبين، كما قال تعالى قبل ذلك: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا } إلى قوله: { إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } [ النساء: 71ـ76 ] .