فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 443

/ ومن هنا يظهر الفرق في السمع والبصر: من الإيمان وآثاره، والكفر وآثاره، والفرق بين المؤمن البر وبين الكافر والفاجر، فإن المؤمنين يسمعون أخبار أهل الإيمان فيشهدون رؤيتهم على وجه العلم والمعرفة والمحبة والتعظيم لهم ولأخبارهم وآثارهم، كرؤية الصحابة النبي صلي الله عليه وسلم، وسمعهم لما بلغه عن الله، والكافر والمنافق يسمع ويري على وجه البغض والجهل، كما قال تعالى: { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ } [ القلم: 51 ] ، وقال: { فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [ محمد: 20 ] ، وقال: { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } [ هود: 20 ] ، وقال: { فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ } [ المائدة: 71 ] ، وقال تعالى في حق المؤمنين: { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } [ الفرقان: 73 ] ، وقال في حق الكفار: { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } [ المدثر: 49 ] ، والآيات في هذا كثيرة جدًا .

وكذلك النظر إلى زينة الحياة الدنيا فتنة، فقال تعالى: { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [ طه: 131 ] ، وفي التوبة: { فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ } الآية [ التوبة: 55 ] ، وقال: { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } الآية [ النور: 30 ] ، وقال: { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } [ الكهف: 28 ] ، وقال: { أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } الآيات [ الغاشية: 17 ] ، وقال: { قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } [ يونس: 101 ] ، وقال: { أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ } الآية [ سبأ: 9 ] ، وكذلك قال الشيطان: { إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ } [ الأنفال: 48 ] ، وقال: { فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ } الآيات [ الشعراء: 61 ] ، وقال: { إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا } الآية [ الأنفال: 43 ] .

فالنظر إلى متاع الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولأهلها منهي عنه، والنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التفكر والاعتبار مأمور به مندوب إليه . وأما رؤية ذلك عند الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدفع شر أولئك وإزالته فمأمور به، وكذلك رؤية الاعتبار شرعا في الجملة، فالعين الواحدة ينظر إليها نظرا مأمورًا به؛ إما للاعتبار، وإما لبغض ذلك والنظر إليه لبغض الجهاد منهي عنه، وكذلك الموالاة والمعاداة؛ وقد تحصل للعبد فتنة بنظر منهي عنه وهو يظن أنه نظر عبرة، وقد يؤمر بالجهاد فيظن أن ذلك نظر فتنة، كالذين قال الله تعالى فيهم: { وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي } الآية [ التوبة: 49 ] ، فإنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلي الله عليه وسلم أن يتجهز لغزو الروم فقال: إني مغرم بالنساء وأخاف الفتنة بنساء الروم فائذن لي في القعود، قال تعالى: { أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } [ التوبة: 49 ] .

/ فهذا ونحوه مما يكون باللسان من القول، وأما ما يكون من الفعل بالجوارح، فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا داخل في هذا، بل يكون عذابه أشد، فإن الله قد توعد بالعذاب على مجرد محبة أن تشيع الفاحشة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وهذه المحبة قد لا يقترن بها قول ولا فعل، فكيف إذا اقترن بها قول أو فعل ؟ بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله من فعل الفاحشة والقذف بها وإشاعتها في الذين آمنوا، ومن رضي عمل قوم حُشِرَ معهم، كما حُشِرَت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط، فإن ذلك لا يقع من المرأة؛ لكنها لما رضيت فعلهم عمها العذاب معهم .

فمن هذا الباب، قيل: من أعان على الفاحشة وإشاعتها؛ مثل القَوَّاد الذي يقود النساء والصبيان إلى الفاحشة؛ لأجل ما يحصل له من رياسة أو سحت يأكله، وكذلك أهل الصناعات التي تنفق بذلك؛ مثل المغنين، وشَرَبَة الخمر، وضمان الجهات السلطانية وغيرها، فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة؛ ليتمكنوا من دفع من ينكرها من المؤمنين، بخلاف ما إذا كانت قليلة خفيفة خفية، ولا خلاف بين المسلمين أن ما يدعو إلى معصية الله وينهي عن طاعته منهي عنه محرم، بخلاف عكسه فإنه واجب ، كما قال تعالى: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } [ العنكبوت: 45 ] ، أي: إن ما فيها من طاعة الله وذكره وامتثال أمره أكبر من ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت