فأثبت الإيمان للفاضل والمفضول، وهذا متفق عليه بين المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر ) ،وقال لسعد ابن معاذ لما حكم في بني قريظة: ( لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرْقٍعَة ) ،وكان يقول لمن يرسله في جيش أو سرية: ( إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم اللّه، فلا تنزلهم على حكم اللّه، فإنك لا تدري ما حكم اللّه فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ) . وهذه الأحاديث الثلاثة في الصحيح، وفي حديث سليمان ـ عليه السلام ـ: ( وأسألك حكمًا يوافق حكمك ) .
فهذه النصوص وغيرها تدل على ما اتفق عليه الصحابة والتابعون لهم/ بإحسان: أن أحد الشخصين قد يخصه اللّه باجتهاد يحصل له به من العلم ما يعجز عنه غيره فيكون له أجران، وذلك الآخر عاجز له أجر ولا إثم عليه، وذلك العلم الذي خص به هذا، والعمل به باطنًا، وظاهرًا زيادة في إيمانه، وهو إيمان يجب عليه، لأنه قادر عليه، وغيره عاجز عنه فلا يجب . فهذا قد فضل بإيمان واجب عليه وليس بواجب على من عجز عنه .
وهذا حال جميع الأمة فيما تنازعت فيه من المسائل الخبرية والعملية، إذا خص أحدهما بمعرفة الحق في نفس الأمر مع اجتهاد الآخر وعجزه، كلاهما محمود مثاب مؤمن، وذلك خصه اللّه من الإيمان الذي وجب عليه بما فضله به على هذا . وذلك المخطئ لا يستحق ذمًا ولا عقابًا، وإن كان ذاك لو فعل ما فعل ذم وعوقب، كما خص اللّه أمة نبينا بشريعة فضلها به، ولو تركنا مما أمرنا به فيها شيئًا، لكان ذلك سببًا للذم والعقاب، والأنبياء قبلنا لا يذمون بترك ذلك، لكن محمد صلى الله عليه وسلم فضله اللّه على الأنبياء، وفضل أمته على الأمم من غير ذم لأحد من الأنبياء، ولا لمن اتبعهم من الأمم .
وأيضًا، فإذا كان الإنسان لا يجب عليه شيء من الإيمان إلا ما يقدر عليه،وهو إذا فعل ذلك كان مستحقًا لما وعد اللّه به من الجنة،فلو كان مثل هذا يسمى مسلمًا ولا يسمى مؤمنًا،لوجب أن يكون من أهل الوعد بالجنة من يسمى مسلمًا لامؤمنًا كالأعراب، وكالشخص الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( أو مسلم ) وكسائر من نفى عنه الإيمان مع أنه مسلم، كالزاني، والشارب،/والسارق، ومن لا يأمن جاره بوائقه، ومن لا يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه، وغير هؤلاء، وليس الأمر كذلك .
فإن اللّه لم يعلق وعد الجنة إلا باسم الإيمان، لم يعلقه باسم الإسلام مع إيجابه الإسلام، وإخباره أنه دينه الذي ارتضاه، وأنه لا يقبل دينًا غيره، ومع هذا فما قال: إن الجنة أعدت للمسلمين، ولا قال: وعد اللّه المسلمين بالجنة، بل إنما ذكر ذلك باسم الإيمان، كقوله: { وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } [ التوبة: 72 ] ، فهو يعلقها باسم الإيمان المطلق، أو المقيد بالعمل الصالح، كقوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } [ البينة: 7، 8 ] ، وقوله: { وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } [ البقرة: 25 ] ، وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة: 277 ] ،وقوله: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ } [ النساء: 173 ] ،وقوله: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } [ النساء: 175 ] ،وقوله: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا } [ النساء: 57 ] ، وفي الآية الأخرى: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا } [ النساء: 122 ] ، وقال: { وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [ آل عمران: 57 ] ، وقال: { وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } [ المائدة: 9 ] ، وقال: { فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ الأنعام: 48 ] ، وقال: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ الأعراف: 42 ] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .