وفي المسند من وجهين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي وزن بالأمة فرجح،ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح،ثم وزن عمر بالأمة فرجح،وكان في حياة النبي صلىالله عليه وسلم وبعد موته يحصل لعمر بسبب أبي بكر من الإيمان والعلم ما لم يكن عنده، فهو قد دعاه إلى ما فعله من خير وأعانه عليه بجهده،والمعين على الفعل إذا كان يريده إرادة جازمة كان كفاعله،كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من جَهَّز غازيًا فقد غزًا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا ) ،وقال: ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) ، وقال: ( من فطر صائمًا فله مثل أجره ) .
وقد روى الترمذي: ( من عزى مصابًا فله مثل أجره ) وهذا وغيره مما يبين أن الشخصين قد يتماثلان في الأعمال الظاهرة، بل يتفاضلان ويكون المفضول فيها أفضل عند اللّه من الآخر؛ لأنه أفضل في الإيمان الذي في القلب، وأما إذا تفاضلا في إيمان القلوب فلا يكون المفضول فيها أفضل عند اللّه البتة،/ وإن كان المفضول لم يهبه اللّه من الإيمان ما وهبه للفاضل، ولا أعطى قلبه من الأسباب التي بها ينال ذلك الإيمان الفاضل ما أعطى المفضول؛ ولهذا فضل اللّه بعض النبيين على بعض، وإن كان الفاضل أقل عملًا من المفضول، كما فضل اللّه نبينا صلى الله عليه وسلم ـ ومدة نبوته بضع وعشرون سنة ـ على نوح وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وفضل أمة محمد، وقد عملوا من صلاة العصر إلى المغرب، على من عمل من أول النهار إلى صلاة الظهر، وعلى من عمل من صلاة الظهر إلى العصر، فأعطى اللّه أمة محمد أجرين، وأعطى كلا من أولئك أجرًا أجرًا؛ لأن الإيمان الذي في قلوبهم كان أكمل وأفضل، وكان أولئك أكثر عملًا،وهؤلاء أعظم أجرًا، وهو فضله يؤتيه من يشاء بالأسباب التي تفضل بها عليهم وخصهم بها .
وهكذا سائر من يفضله اللّه ـ تعالى ـ فإنه يفضله بالأسباب التي يستحق بها التفضيل بالجزاء،كما يخص أحد الشخصين بقوة ينال بها العلم،وبقوة ينال بها اليقين والصبر والتوكل والإخلاص،وغير ذلك مما يفضله اللّه به،وإنما فضله في الجزاء بما فضل به من الإيمان، كما قال تعالى: { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ } [ آل عمران: 72،73 ] ، وقال في الآية الأخرى: { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام: 124 ] ، وقال: { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ } [ الحج: 75 ] ، وقال: { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء } [ الفتح: 14 ]
/وقد بين في مواضع أسباب المغفرة وأسباب العذاب، وكذلك يرزق من يشاء بغير حساب، وقد عرف أنه قد يخص من يشاء بأسباب الرزق .
وإذا كان من الإيمان ما يعجز عنه كثير من الناس، ويختص اللّه به من يشاء، فذلك مما يفضلهم اللّه به، وذلك الإيمان ينفي عن غيرهم، لكن لا على وجه الذم بل على وجه التفضيل، فإن الذم إنما يكون على ترك مأمور أو فعل محظور . لكن على ما ذكره أبو طالب، يقال: فمثل هؤلاء مسلمون لا مؤمنون باعتبار،ويقال: إنهم مؤمنون باعتبار آخر، وعلى هذا ينفي الإيمان عمن فاته الكمال المستحب، بل الكمال الذي يفضل به على من فاته، وإن كان غير مقدور للعباد بل ينفي عنه الكمال الذي وجب على غيره، وإن لم يكن في حقه لا واجبًا ولا مستحبًا، لكن هذا لا يعرف في كلام الشارع، ولم يعرف في كلامه إلا أن نفي الإيمان يقتضي الذم حيث كان، فلا ينفي إلا عمن له ذنب، فتبين أن قوله: ( أو مسلم ) توقف في أداء الواجبات الباطنة والظاهرة كما قال جماهير الناس .
ثم طائفة يقولون: قد يكون منافقًا ليس معه شيء من الإيمان، وهم الذين يقولون: الأعراب المذكورون منافقون ليس معهم من الإيمان شيء، وهذا هو القول الذي نصره طائفة، كمحمد بن نصر، والأكثرون يقولون: بل هؤلاء لم يكونوا من المنافقين الذين لا يقبل منهم شيء من أعمالهم، وإن كان فيهم شعبة نفاق، بل كان معهم تصديق يقبل معه منهم ما عملوه للّه؛ ولهذا جعلهم مسلمين؛ ولهذا قال: { أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ الحجرات: 17 ] ، كما /قالوا مثل ذلك في الزاني والسارق وغيرهما ممن نفى عنه الإيمان، مع أن معه التصديق . وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم .
وأبو طالب جعل من كان مذمومًا، لترك واجب، من المؤلفة قلوبهم الذين لم يعطوا شيئًا، وجعل ذلك الشخص مؤمنًا غيره أفضل منه، وأما الأكثرون فيقولون: إثبات الإسلام لهم دون الإيمان كإثباته لذلك الشخص كان مسلمًا لا مؤمنًا كلاهما مذموم، لا لمجرد أن غيره أفضل منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا ) ولم يسلب عمن دونه الإيمان، وقال تعالى: { ِلَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } [ الحديد: 10 ] .