فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 443

ومثل هذه السكينة قد لا تكون مقدورة، ولكن اللّه يجعل ذلك في قلبه،فضلًا منه وجزاء على عمل سابق، كما قال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } [ النساء: 66: 68 ] ، كما قال: { اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ } [ الحديد: 28 ] ، وكما قال: { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } [ المجادلة: 22 ] ؛ ولهذا قيل: من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم، وهذا الجنس غير مقدور للعباد، وإن كان ما يقدرون عليه من الأعمال الظاهرة والباطنة هو ـ أيضًا ـ بفضل اللّه وإعانته وإقداره لهم، لكن الأمور قسمان: منه ما جنسه مقدور لهم لإعانة اللّه لهم، كالقيام والقعود، ومنه ما جنسه غير مقدور لهم، إذا قيل: إن اللّه يعطي من أطاعه قوة في قلبه وبدنه يكون بها قادرًا على ما لا يقدر عليه غيره، فهذا ـ أيضًا ـ حق وهو من جنس هذا المعنى، قال تعالى: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ } [ الأنفال: 12 ] ، وقد قال: { إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ } [ الأنفال: 45 ] ، فأمرهم بالثبات وهذا الثبات، يوحى إلى الملائكة أنهم يفعلونه بالمؤمنين .

/والمقصود أنه قد يكون من الإيمان ما يؤمر به بعض الناس ويذم على تركه، ولا يذم عليه بعض الناس ممن لا يقدر عليه،ويفضل اللّه ذاك بهذا الإيمان، وإن لم يكن المفضول ترك واجبًا،فيقال: وكذلك في الأعمال الظاهرة يؤمر القادر على الفعل بما لا يؤمر به العاجز عنه، ويؤمر بعض الناس بما لا يؤمر به غيره، لكن الأعمال الظاهرة قد يعطي الإنسان مثل أجر العامل إذا كان يؤمن بها ويريدها جهده، ولكن بدنه عاجز كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( إن بالمدينة لرجالًا ما سِرْتُم مَسِيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم ) قالو: وهم بالمدينة ؟ قال: ( وهم بالمدينة حبسهم العذر ) ، وكما قال تعالي: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً } [ النساء: 95 ] فاستثنى أولى الضرر .

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ) . وفي حديث أبي كَبْشَة الأنماري: ( هما في الأجر سواء، وهما في الوزر سواء ) ، رواه الترمذي وصححه ولفظه: ( إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه اللّه علمًا ومالًا فهو يتقي في ذلك المال ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم للّه فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه اللّه علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد/ رزقه اللّه مالًا ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم،لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم للّه فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه اللّه مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، فوزرهما سواء ) .

ولفظ ابن ماجه: ( مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه اللّه مالا وعلمًا فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه اللّه علمًا ولم يؤته مالا فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل ) . قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ( فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه اللّه مالًا ولم يؤته علمًا،فهو يتخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته علمًا ولا مالا وهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت مثل الذي يعمل، فهما في الوزر سواء ) .

كالشخصين إذا تماثلا في إيمان القلوب معرفة وتصديقًا، وحبًا وقوة وحالًا ومقامًا، فقد يتماثلان، وإن كان لأحدهما من أعمال البدن ما يعجز عنه بدن الآخر، كما جاء في الأثر: ( إن المؤمن قوته في قلبه،وضعفه في جسمه، والمنافق قوته في جسمه، وضعفه في قلبه ) ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( ليس الشديد ذو الصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) ،وقد قال: ( رأيت كأني أنزع على قَلِيبٍ، فأخذها ابن أبي قُحَافة، فنزع ذَنُوبًا أو ذنوبين، وفي نَزْعِه ضعف، واللّه يغفر له، فأخذها ابن الخطاب فاستحالت في يده/ غَرْبًا، فلم أر عبقريًا يَفْري فَرْيَه، حتى صَدَرَ الناس بعطن ) ، فذكر أن أبا بكر أضعف، وسواء أراد قصر مدته أو أراد ضعفه عن مثل قوة عمر، فلا ريب أن أبا بكر أقوى إيمانًا من عمر، وعمر أقوي عملًا منه، كما قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر . وقوة الإيمان أقوى وأكمل من قوة العمل، وصاحب الإيمان يكتب له أجر عمل غيره، وما فعله عمر في سيرته مكتوب مثله لأبي بكر فإنه هو الذي استخلفه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت