قلت: كأنه أراد بذلك إجماع الصحابة ومن اتبعهم، أو أنه لا يسمى مؤمنًا في الأحكام، وأنه لا يكون مسلمًا إذا أنكر بعض هذه الأركان، أو علم أن الرسول أخبر بها ولم يصدقه، أو أنه لم ير خلاف أهل الأهواء خلافًا،وإلا فأبو طالب كان عارفا بأقوالهم، وهذا ـ واللّه أعلم ـ مراده، فإنه عقد [ الفصل الثالث والثلاثين ] في بيان تفصيل الإسلام والإيمان، وشرح عقود معاملة القلب من مذهب أهل الجماعة، وهذا الذي قاله أجود مما قاله كثير من الناس، لكن ينازع في شيئين:
أحدهما: أن المسلم المستحق للثواب لابد أن يكون معه الإيمان الواجب المفصل المذكور في حديث جبريل .
/والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يطلق مؤمنًا دون مسلم،في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أو مسلم ) لكونه ليس من خواص المؤمنين وأفاضلهم، كأنه يقول: لكونه ليس من السابقين المقربين، بل من المقتصدين الأبرار، فهذان مما تنازع فيهما جمهور العلماء، ويقولون: لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل: ( أو مسلم ) لكونه لم يكن من خواص المؤمنين وأفاضلهم كالسابقين المقربين، فإن هذا لو كان كذلك لكان ينفي الإيمان المطلق عن الأبرار المقتصدين المتقين،الموعودين بالجنة بلا عذاب إذا كانوا من أصحاب اليمين، ولم يكونوا من السابقين والمقربين، وليس الأمر كذلك، بل كل من أصحاب اليمين مع السابقين المقربين،كلهم مؤمنون موعودون بالجنة بلا عذاب،وكل من كان كذلك فهو مؤمن باتفاق المسلمين من أهل السنة وأهل البدع،ولو جاز أن ينفي الإيمان عن شخص لكون غيره أفضل منه إيمانًا نفى الإيمان عن أكثر أولياء اللّه المتقين،بل وعن كثير من الأنبياء،وهذا في غاية الفساد،وهذا من جنس قول من يقول: نفى الاسم لنفي كماله المستحب .
وقد ذكرنا أن مثل هذا لا يوجد في كلام اللّه ورسوله، بل هذا الحديث خص من قيل فيه: مسلم وليس بمؤمن، فلابد أن يكون ناقصًا عن درجة الأبرار المقتصدين أهل الجنة، ويكون إيمانه ناقصًا عن إيمان هؤلاء كلهم، فلا يكون قد أتى بالإيمان الذي أمر به هؤلاء كله، ثم إن كان قادرًا على ذلك الإيمان وترك الواجب، كان مستحقًا للذم، وإن قدر أنه لا يقدر على ذلك الإيمان الذي اتصف به هؤلاء، كان عاجزًا عن مثل إيمانهم، ولا يكون هذا وجب عليه، فهو وإن/ دخل الجنة لا يكون كمن قدر أنه آمن إيمانًا مجملًا، ومات قبل أن يعلم تفصيل الإيمان وقبل أن يتحقق به ويعمل بشيء منه، فهو يدخل الجنة، لكن لا يكون مثل أولئك .
لكن قد يقال: الأبرار أهل اليمين هم ـ أيضًا ـ على درجات، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ) وقد قال الله تعالى: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } الآية [ النساء: 95 ] ، فدرجة المؤمن القوي في الجنة أعلى، وإن كان كل منهما كمل ما وجب عليه، وقد يريد أبو طالب وغيره بقولهم: ليس هذا من خواص المؤمنين هذا المعنى؛ أي: ليس إيمانه كإيمان من حقق خاصة الإيمان، سواء كان من الأبرار أو من المقربين، وإن لم يكن ترك واجبًا لعجزه عنه، أو لكونه لم يؤمر به، فلا يكون مذمومًا، ولا يمدح مدح أولئك، ولا يلزم أن يكون من أولئك المقربين .
فيقال: وهذا ـ أيضًا ـ لا ينفي عنه الإيمان، فيقال: هو مسلم لا مؤمن، كما يقال: ليس بعالم ولا مفت، ولا من أهل الاجتهاد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) . وهذا كثير، فليس كل ما فضل به الفاضل يكون مقدورًا لمن دونه، فكذلك من حقائق الإيمان ما لا يقدر عليه كثير من الناس، بل ولا أكثرهم، فهؤلاء يدخلون الجنة، وإن لم يكونوا ممن تحققوا بحقائق الإيمان التي فضل اللّه بها غيرهم، ولا تركوا واجبًا عليهم وإن كان واجبًا على غيرهم؛ ولهذا كان من الإيمان /ما هو من المواهب والفضل من اللّه فإنه من جنس العلم، والإسلام الظاهر من جنس العمل، وقد قال تعالى: { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ } [ محمد: 17 ] ، وقال: { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } [ مريم: 76 ] ،وقال: { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ } [ الفتح: 4 ] .