4 ـ دور الخلفاء والسلاطين في موالاة المؤمنين ونصرتهم، والبراءة من المشركين ومحاربتهم: وشواهد التاريخ على هذا كثيرة، من ذلك ما يروى من أنه عندما أسر الرومُ أحد المسلمين قال له ملك الروم: ماذا يريد خليفتكم من الإغارة علينا؟ أما تكفيكم بلادكم؟ فأخبره الجندي المسلم أنهم يهدفون إلى نشر الإسلام، وإقامة العدل بين الناس الذي افتقده الناس؛ بسبب بعدهم عن الحق، فغضب عند ذلك البطريرك الذي كان جالسًا قرب الملك، وقام من مجلسه وصفع الجندي على وجهه صفعة مؤلمة، وأمر به إلى السجن، ثم بعد ذلك جرى تبادل الأسرى بين المسلمين والروم، وعاد الجندي المسلم إلى أهله، واستدعاه الخليفة وأكرمه، وسمع خبره، ثم أمر بتوجيه بعثة من الجنود تنكَّروا على شكل صيادين حتى وصلوا إلى القسطنطينية، فدخلوها، واحتالوا على البطريرك؛ فقبضوا عليه، وجاؤوا به مكبلًا إلى أن أُدخل على مجلس الخليفة معاوية ـ رضي الله عنه ـ، وكان الجندي الذي أُسِر بجانب الخليفة، فقال له معاوية ـ رضي الله عنه ـ: أهذا هو؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له: دونك فاقتص منه! فقال الجندي: بل عفوت عنه يا أمير المؤمنين. فقال معاوية ـ رضي الله عنه ـ للبطريرك: اذهب إلى مَلِكِك، وقل له: إن أمير المؤمنين يقيم العدل ويقتص من الجاني حتى من مملكتك (6) ؛ فرضي الله عن معاوية بن أبي سفيان الذي ضرب بتلك الحادثة أروع الأمثلة في مدافعة الحاكم المسلم عن حقوق المسلمين أفرادًا وجماعات.
وروي أن أحد الجنود المسلمين وقع أسيرًا في حوزة الرومان، وأنهم حملوه إلى إمبراطورهم الذي حاول أن يُكْرِهَه على ترك إسلامه، فرفض الأسير المسلم، فأمر الإمبراطور أن تُفقأ عيناه..، وسمع عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بذلك، فكتب إلى ملك الروم يقول: «أما بعد: فقد بلغني ما صنعت بالأسير المسلم، وإني أقسم بالله لئن لم ترسله إليَّ من فورك لأبعثنَّ إليك من الجند؛ ما يكون أولهم عندك وآخرهم عندي» . وعندما وصل الخطاب تراجع ملك الروم أمام هذه العزيمة، وأمر بإعادة الأسير المسلم إلى أهله وقومه (1) .
ومن ذلك أيضًا ما اشتهر عن المعتصم في نصرته لتلك المرأة التي صاحت بأعلى صوتها: (وامعتصماه!) ؛ حيث كانت ضمن الأسرى عند الروم، فنقل بعضُ الحاضرين هذه الصيحة إلى المعتصم فنهض مرددًا: لبيكِ لبيكِ! يا أختاه، وأمر بالنفير العام، واستدعى القضاة والشهود، وأشهدهم على وصيته: أن ماله إذا استُشهد في هذه المعركة يقسّم إلى ثلاثة أقسام: ثُلثه صدقة، وثُلثه لأولاده، وثُلثه لمواليه. وسار بنفسه ومن معه من المسلمين، فحاصر عموريَّة حتى فتحها بعد حصار شديد، وثأر المعتصم من أعداء الله، واسترد كرامة المسلمين، وتبيَّن كيف تكون غضبة الحاكم المسلم إذا انتُهكت حرمات الله (2) .
5 ـ دور علماء الأمة في بيان الولاء والبراء، والحث على تحقيقها وذلك عبر: الفتيا، الرسالة، التصانيف، والردود.
يُروى أنه نشأ خلاف كبير بين الأخوين: سلطان الشام الملكُ الصالحُ إسماعيل، وسلطان مصر الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان من نتيجته أن استعان الملك إسماعيل بالصليبيين أعداء الإسلام، وتحالف معهم على قتال أخيه نجم الدين، وأعطاهم مقابل ذلك مدينة صيدا، وكذلك قلعة (صفد) وغيرها؛ بل سمح للصليبيين أن يدخلوا دمشق، ويشتروا منها السلاح وآلات الحرب، وما يريدون! فأثار هذا الصنيعُ المنكر استياءَ علماء الإسلام، فقام سلطانُ العلماء العزُّ بن عبد السلام وأنكر على السلطان فعلَه ذلك، وأفتى المسلمين بتحريم بيع النصارى السلاح. فسُجن بسبب ذلك (3) . هذا في الفتيا. وشواهد ذلك كثيرة، حفظها لنا التاريخ، وحفظ لنا أيضًا تلك الرسائل التي خطَّها علماء السُّنة اقتداءً بنبيهم -صلى الله عليه وسلم- في مراسلاته للملوك ورؤوس الكفر، كما مر معنا.
فقد أرسل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ رسالةً إلى ملك قبرص (سرجوان) يخاطبه في شأن أسرى المسلمين، فمما ورد في كلامه ـ رحمه الله ـ بعد دعوته للإسلام: «... ومن العجب أن يأسِر النصارى قومًا غدرًا أو بغير غدر، ولم يقاتلوهم...، وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده المسلمين؛ فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص؟!
فما يُؤمِّنُ الملكَ أن هؤلاء الأسرى المظلومين ببلدته ينتقم لهم ربُّ العباد والبلاد كما ينتقم لغيرهم؟ وما يُؤمِّنُه أن تأخذ المسلمين حميةٌ إسلاميةٌ؛ فينالون منها ما نالوا من غيرها؟...» (4) .
وهذه الرسالة من شيخ الإسلام للملك النصراني تبين شدة ولائه ـ رحمه الله ـ وحبه للمسلمين، والسعي في تخليص أسراهم من الكافرين)، وفيها بيان لعزِّة المؤمن بقوة إنكاره وشدته على أهل الباطل، وفيها أيضًا بيان لأهمية دور العلماء في الذود عن الحق وأهله أينما كانوا.
كذلك فإن أهل العلم حرصوا على التصنيف والتأليف في هذا الموضوع المهم في حياة المسلمين. فمن ذلك: ما قاله الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد ـ رحمه الله ـ في رسالته (الهدية الثمينة في ما يحفظ به المرءُ دينَه) ؛ إذ قال ـ رحمه الله ـ: «لمَّا رأيت ما عمّ وطمّ من انقلاب الأكثرين عن دين الإسلام، وموالاتهم لعبدة الأوثان وأعداء الشريعة من: النصارى، والملحدين، والرافضة، حملتني العزة الدينية والشفقة الإنسانية أن أجمع بعض آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومن كلام علماء السُّنة المقتدى بهم، نبذةً يسيرةً في بيان تحريم مخالطة المشركين ووجوب البعد عنهم، وحكم التولي والموالاة والسفر إلى بلادهم، وما يجب على من اضطُّر إلى العمل مع الشركات الأجنبية؛ لتكون تذكرة للمؤمنين وحجة على المعاندين، وسميتها: (الهدية الثمينة في ما يحفظ به المرء دينه) » (5) .