2 ـ البراءة من أهل الكفر والمشركين وإن كانوا من الأقربين: وذلك تحقيقًا لقوله ـ تعالى ـ: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ...} [المجادلة: 22] . قيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ، حيث سب أبو قحافة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فصكه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «أوَ فعلته؟! لا تعد إليه» فقال: «والذي بعثك بالحق نبيًا، لو كان السيف مني قريبًا لقتلته» . وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: «نزلت في أبي عبيدة بن الجراح ـ رضي الله عنه ـ قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، [وقيل: يوم بدر] ، وكان الجراح يتصدى لأبي عبيدة، وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر؛ قصد إليه أبو عبيدة، فقتله» ، وقيل في سبب نزول الآية غير ذلك. بل يصل الأمرُ أحيانًا بأولئك الصادقين إلى الرغبة في التمكين من قتل أقربائهم من الكفار؛ ليُرُوا اللهَ منهم خيرًا بذلك، وابتغاءً لمرضاته.
فها هو النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما استشار الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في أسرى بدر، فقال: «ما ترى يا بن الخطاب؟» قال عمر ـ رضي الله عنه ـ: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر؛ ولكن أرى أن تُمكِّنني من فلان [قريب لعمر] فأضرب عنقه، وتُمكِّن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان [أخيه] فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين» (1) .
وقد روي «أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال لسيعد ابن العاص ـ رضي الله عنه ـ إني أراك كأنك في نفسك شيء! أراك تظن أني قتلت أباك؟ إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه (2) ؛ فحدت عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله. فقال سعيد بن العاص ـ رضي الله عنه ـ: «لو قتلته لكنت على حق وكان على الباطل» فأعجبه قوله» (3) .
3 ـ ثبات المؤمن على عقيدته مع شدة إغراءات أهل الباطل بضمه إليهم: فقد يبذل الحاقدون على المسلمين إغراءاتهم وما بوسعهم في سبيل تخلي المسلمين عن دينهم، ويسلكون في ذلك وسائل مختلفة للوصول إلى هذا الهدف. وفي قصة عبد الله بن حذافة السهمي ـ رضي الله عنه ـ ما يدل على ذلك: فإنه قد أُسِر في أحد المعارك مع الروم، فعرض عليه ملك الروم أن يتنصَّر، فرفض، ثم قال له: إن فعلتَ شاطرتُك مُلْكي، وقاسمتك سلطاني، فقال عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن ديني طرفة عين؛ ما فعلت ذلك، ثم هدده الملك بالقتل، وصَلَبَه ورماه قريبًا من رجليه وقريبًا من يديه، وهو يعرض عليه مفارقة دينه، فأبى، فقال له: هل لك أن تقبِّل رأسي وأخلي عنك؟ فقال عبد الله له: وعن جميع أسارى المسلمين أيضًا؟ قال نعم: فقبَّل رأسه، فأمر الملك بإطلاق سراحه وسراح جميع المسلمين المأسورين لديهم، وقدِم بالأسرى على عمر ـ رضي الله عنه ـ فأخبره خبره، فقال عمر: حق على كل مسلم أن ىُقبِّل رأس ابن حذافة؛ وأنا أبدأ، فقبَّل رأسه (4) .
إنها عزة المسلم الحق، وثباته عند الشدائد، وعدم تنازله عن دينه؛ حتى لو أدى ذلك إلى موته. وتأمل حب عبد الله ـ رضي الله عنه ـ لأسرى المسلمين واهتمامه لهم! فإنه لم يغفل عنهم في تلك الظروف الحرجة؛ بل حرص على فكاك أسرهم.
والمؤمن مطالب ومأمور بولائه لدينه ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين؛ وإنْ هَجَرَه المؤمنون لسبب من الأسباب المشروعة لذلك. وهذا يذكرنا بما حدث لكعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ الذي هجره المسلمون حتى في رد السلام..، فابتلي في هذا الوقت العصيب بإغراء عظيم من قبل أحد الملوك في ذلك الوقت، فرفض ذلك الإغراء وثبت ـ رضي الله عنه ـ. يقول حاكيًا ما حدث: «... فبينما أنا أمشي في سوق المدينة؛ إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني؛ دفع إليِّ كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: «أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحقْ بنا نواسِك!» فقلت لما قرأتها: وهذا من البلاء. فتممت بها التنور فسجرته بها...» (5) ، فرفض ـ رضي الله عنه ـ هذا الود الظاهر في وقت هو فيه أحوج ما يكون إلى من يواسيه ويواليه؛ لكن لِما قام في قلبه من عظم الولاء لله ولرسوله، والبراءة من أعداء الدين؛ رفض هذه الدعوة التي كشفت له بصيرته ما وراءها، فرفضها وعدَّها بلاءً آخر فكانت عقباه الخير. فكيف أخي المسلم بمن يتنازل عن ثوابت دينه ومعتقده؛ خوفًا من أعداء الدين، أو حبًا في مال أو رئاسة في هذه الدنيا الزائلة؟!