فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 443

السؤال لقد قرأت في موقعكم كما قرأنا لغيركم أن محبة الكفار أو غير المسلمين تدخل في باب المودة للكفار والتي حذر منها الله -تعالى- ووصف فاعلها بالكفر وأنه منهم ولا فرق بينه وبين الكفار، ولكننا نعلم أن الله إذا أراد شيئًا حقق أسبابه، وإذا لم يرد شيئًا منع أسبابه. بمعنى أنه لا يمكن أن يمنع الله -تعالى- العمل والاسترزاق ثم يحرم السرقة؛ لأنه وبهذا الحالة لا يمكن للإنسان أن يعيش وهو ممنوع من الاسترزاق، أو كالذي رمي به في الماء وقالوا له إياك إياكَ أن تبتل، وكذلك الحال في موضوع الموالاة، فلا أدري كيف نفسر نصوص الموالاة بأنها تعني: المحبة للكفار ثم نقول: إن الله -تعالى- حلل البر إليهم والسؤال عن حالهم والتعامل وتبادل الهدايا معهم ومعاودة مرضاهم، وبعد ذلك نقول: إنه يحرم محبتهم، فإن مثل الأعمال السابقة من التهادي والتعامل معهم وزيارتهم توجب محبتهم، ونحن نعلم أن المحبة شعور غير إرادي ولا يتحكم فيه الإنسان، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول:"تهادوا تحابوا"، فكيف نقول إن الله حلل الأولى وحرم علينا الثانية؟ مع أنها نتيجة طبيعية للأولى، ثم ماذا يفعل شخص تزوج من نصرانية والله -تعالى- وصف الزواج بأنه مودة ورحمة؟ فلا أدري كيف يستقيم هذا مع القول بأن محبة الكفار محرمة، وأنا هنا أتكلم عن الكفار المسالمين وليس عن غيرهم، ألا يدعونا هذا لإعادة التفكر في النصوص الشرعية والتي لا يمكن أن تكون تأمر بشيء وتحرم تبعاته؛ لأنها وبهذه الطريقة تكون شريعة قاصرة, وهذا محال في شريعة الله، وبارك الله فيكم.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:

فإن من المقطوع به أن لـ (لا إله إلا الله) شروطًا لا تنفع صاحبها إلا بتحقيقها، ومن أهم شروط (لا إله إلا الله) شرط المحبة لهذه الكلمة ولمدلولها ولمن حققها، ومن لوازم هذه المحبة بغض من خالفها وبغض كل من لم يحققها كائنًا من كان.

وهذه المسألة محسومة في كتاب الله -تعالى-، قال -عز وجل-:"لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ..." [المجادلة:22] .

وقال -تعالى-:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [المائدة:51] . وقال -تعالى-:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين..." [النساء:144] . وقال -عز وجل-:"لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ" [آل عمران:28] .

وقد نهى الله -تعالى- عن ذلك نهيًا صريحًا لا يقبل التأويل فقال -عز وجل-:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ..." [الممتحنة:1] .

وهذه المحبة من أجلّ أعمال القلوب التي لا يتحقق إيمان العبد وتوحيده إلا بتحقيقها وإخلاصها والبراءة ممن خالفها، قال -تعالى-:"قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ..." [الممتحنة:4] .

بل قد تبرأ إبراهيم الخليل -عليه السلام- الذي لنا فيه أسوة حسنة من أقرب الناس إليه وهو أبوه لما لم يحقق لا إله إلا الله، قال -تعالى-:"وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ" [التوبة:114] .

إذًا فلا يمكن أن يجتمع في قلب عبد مسلم محبة الله -تعالى- ورسوله -عليه الصلاة والسلام- والمؤمنين مع محبة كافر محاد لله -تعالى- مكذب برسوله -صلى الله عليه وسلم- مهما كانت قرابته ومهما كانت علاقته بالمسلمين؛ لأنه لا يتصور تحقيق محبة الله وامتلاء القلب بتعظيم الله وإجلاله مع محبة من يزعم أن لله ولدًا أو أن الله ثالث ثلاثة، كما لا يتصور تحقيق محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والشهادة الحقة له بالرسالة مع محبة من يكذب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويطعن في رسالته، وهذه من المسلمات العقدية التي لا مجال فيها للخلاف.

أما معاملة الكفار وما يتعلق بها من الأعمال الظاهرة فهذه قد فصلها القرآن الكريم وبينها لنا أكمل بيان لا مجال فيه للاختلاف، فقال -تعالى-:"لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [الممتحنة:8-9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت