فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 443

وأما الذين كانوا يقولون من العرب: إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن، فولدت له الملائكة فقد نفاه الله عنه بامتناع الصاحبة، وبامتناع أن يكون منه جزء فإنه صمد، وقوله: { وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ } [ الأنعام: 101 ] . وهذا كما تقدم من أن الولادة لا تكون إلا من أصلين سواء في ذلك تولد الأعيان التي تسمي الجواهر، وتولد الأعراض والصفات، بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الوالد . فإذا امتنع أن يكون له صاحبة امتنع أن يكون له ولد، وقد علموا كلهم ألا صاحبة له لا من الملائكة ولا من الجن ولا من الإنس، فلم يقل أحد منهم: إن له صاحبة؛ فلهذا احتج بذلك عليهم . وما حكي عن بعض كفار العرب: أنه صاهر الجن، فهذا فيه نظر، وذلك إن/كان قد قيل، فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة، وكذلك ما قالته النصارى: من أن المسيح ابن الله، وما قاله طائفة من اليهود: إن العزير ابن الله، فإنه قد نفاه ـ سبحانه ـ بهذا وبهذا .

فإن قيل: أما عوام النصارى، فلا تنضبط أقوالهم، وأما الموجود في كلام علمائهم وكتبهم، فإنهم يقولون: إن أقنوم الكلمة، ويسمونها الابن تَدَرَّع المسيح، أي: اتخذه درعًا، كما يتدرع الإنسان قميصه، فاللاهوت تدرع الناسوت . ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد . قيل قصدهم: إن الرب موجود حي عليم، فالموجود هو الأب، والعلم هو الابن، والحياة هو روح القدس . هذا قول كثير منهم . ومنهم من يقول: بل موجود عالم قادر . ويقول: العلم هو الكلمة، وهو المتدرع . والقدرة: هي روح القدس، فهم مشتركون في أن المتدرع هو أقنوم الكلمة وهي الابن .

ثم اختلفوا في التدرع واختلفوا: هل هما جوهر أو جوهران ؟ وهل لهما مشيء ة أو مشيء تان ؟ ولهم في الحلول والاتحاد كلام مضطرب ليس هذا موضع بسطه، فإن مقالة النصارى فيها من الاختلاف بينهم ما يتعذر ضبطه، فإن قولهم ليس مأخوذًا عن كتاب منزل، ولا نبي مرسل، ولا هو موافق لعقول العقلاء، فقالت اليعقوبية: صار جوهرًا واحدًا، وطبيعة واحدة، وأقنومًا واحدًا، كالماء في اللبن . وقالت/النسطورية: بل هما جوهران وطبيعتان ومشيء تان؛ لكن حل اللاهوت في الناسوت حلول الماء في الظرف . وقالت الملكِيةُ: بل هما جوهر واحد، له مشيء تان وطبيعتان، أو فعلان، كالنار في الحديد .

وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } [ المائدة: 72 ] ، هم اليعقوبية، وفي قوله: { وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ } [ التوبة: 30 ] ، هم الملكية، وقوله: { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } [ المائدة: 73 ] ، هم النسطورية وليس بشيء، بل الفِرَق الثلاث تقول المقالات التي حكاها الله ـ عز وجل ـ عن النصارى، فكلهم يقولون: إنه الله، ويقولون: إنه ابن الله، وكذلك في أمانتهم التي هم متفقون عليها، يقولون: إله حق من إله حق، وأما قوله: { ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } ، فإنه قال تعالى: { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } [ المائدة: 116 ] .

قال أبو الفرج ابن الجوزي في قوله: { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } ، قال المفسرون: معنى الآية: أن النصارى قالوا بأن الإلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم، كل واحد منهم إله . وذكر عن الزجاج: الغلو: مجاوزة القدر في الظلم، وغلو النصارى في عيسى قول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو ابن الله، وقول بعضهم: هو ثالث /ثلاثة، فعلماء النصارى الذين فسروا قولهم: هو ابن الله بما ذكروه من أن الكلمة هي الابن، والفرق الثلاث متفقة على ذلك، وفساد قولهم معلوم بصريح العقل من وجوه:

أحدها: أنه ليس في شيء من كلام الأنبياء تسمية صفة الله ابنا ـ لا كلامه ولا غيره ـ فتسميتهم صفة الله ابنا تحريف لكلام الأنبياء عن مواضعه، وما نقلوه عن المسيح من قوله: عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس، لم يُرَد بالابن: صفة الله التي هي كلمته، ولا بروح القدس: حياته، فإنه لا يوجد في كلام الأنبياء إرادة هذا المعنى، كما قد بسط هذا في الرد على النصارى .

الوجه الثاني: أن هذه الكلمة ـ التي هي الابن ـ أهي صفة الله قائمة به ؟ أم هي جوهر قائم بنفسه ؟ فإن كانت صفته؛ بطل مذهبهم من وجوه:

أحدها: أن الصفة لا تكون إلهًا يخلق ويرزق ويحيي ويميت، والمسيح عندهم إله يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، فإذا كان الذي تدرعه ليس بإله؛ فهو أولى ألا يكون إلهًا .

الثاني: أن الصفة لا تقوم بغير الموصوف فلا تفارقه، وإن قالوا: نزل عليه كلام الله أو قالوا: إنه الكلمة أو غير ذلك، فهذا قدر مشترك بينه وبين سائر الأنبياء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت