وقوله تعالى: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يدل على أن قوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } تتناول المؤمنين،فإنهم آمنوا بالكتاب الأول والآخر،كما تتناول النبي صلى الله عليه وسلم، وأولئك يعود إليهم الضمير، فإنهم مؤمنون به بالشاهد من الله، فالإيمان به إيمان بالرسول والكتاب الذي قبله .
/ ثم قال: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } [ هود: 17 ] ، وروي الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه إلا وجدت تصديقه في كتاب الله، حتي بلغني أنه قال: ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار ) ، قال سعيد: فقلت: أين هذا في كتاب الله ؟ حتي أتيت على هذه الآية: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } قال: الأحزاب: هي الملل كلها .
وقوله تعالى: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي كل من كان على بينة من ربه، فإنه يؤمن بالشاهد من الله، والإيمان به إيمان بما جاء به موسى، قال: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } وهم المتبعون لمحمد صلى الله عليه وسلم من أصحابه وغيرهم إلى قيام الساعة، ثم قال: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } ، والأحزاب هم: أصناف الأمم، الذين تحزبوا وصاروا أحزابًا، كما قال تعالى: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } [ غافر: 5 ] .
وقد ذكر الله طوائف الأحزاب في مثل هذه السورة وغيرها ، وقد قال تعالى عن مكذبي محمد صلى الله عليه وسلم: { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ } [ ص: 11 ] ،وهم الذين قال فيهم: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ علىهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إليه وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [ الروم: 30 - 32 ] ، وقال عن أحزاب النصارى: { فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } الآيات [ مريم: 37 ] .
وأما من قال: الضمير في قوله: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يعود على أهل الحق قال: إنه موسى وعيسى ومحمد . فإنه إن أراد بهم من كان مؤمنًا بالكتابين قبل نزول القرآن، فلم يتقدم لهم ذكر، والضمير في قوله: { بِهِ } مفرد، ولو آمن مؤمن بكتاب موسى دون الإنجيل بعد نزوله وقيام الحجة عليه به لم يكن مؤمنًا .
وهذان القولان حكاهما أبو الفرج ولم يسم قائلهما، والبغوي وغيره لم يذكروا نزاعًا في أنهم من آمن بمحمد، ولكن ذكروا قولًا أنهم من آمن به من أهل الكتاب، وهذا قريب . ولعل الذي حكي قولهم أبو الفرج أرادوا هذا، وإلا فلا وجه لقولهم .
ومن العجب، أن أبا الفرج ذكر بعد هذا في الأحزاب أربعة أقوال:
أحدها: أنهم جميع الملل، قاله سعيد بن جبير .
/والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة .
والثالث: قريش، قاله السدي .
والرابع: بنو أمية وبنو المغيرة، قال: ـ أي: أبي طلحة بن عبد العزي ـ قاله مقاتل .
وهذه الآية تقتضي أن الضمير يعود إلى القرآن في قوله: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ } ، وكذلك: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } أنه القرآن، ودليله قوله تعالى: { فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } [ هود: 17 ] ، وهذا هو القرآن بلا ريب، وقد قيل: هو الخبر المذكور، وهو أنه من يكفر به من الأحزاب، وهذا ـ أيضًا ـ هو القرآن، فعلم أن المراد هو الإيمان بالقرآن، والكفر به باتفاقهم، وأنه من قال في أولئك أنهم غير من آمن بمحمد لم يتصور ما قال .
وقد تقدم في قوله: { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى } وجهان: هل هو عطف جملة أو مفرد ؟ لَكنْ الأكثرون على أنه مفرد . وقال الزجاج: المعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى . دليل على أمر محمد، فيتلون كتاب موسى عطفًا على قوله: { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } أي: ويتلو كتاب موسى؛ لأن موسى وعيسى بُشِّرا بمحمد في التوراة والإنجيل، ونُصِّبَ إماما على الحال .
/ قلت: قد تقدم أن الشاهد يتلو على من كان على بينة من ربه، أي: يتبعه شاهدًا له بما هو عليه من البينة . وقوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } كمن لم يكن، قال الزجاج: وترك المعادلة؛ لأن فيما بعده دليلًا علىه، وهو قوله: { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ } [ هود: 24 ] ، قال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قومًا ركنوا إلى الدنيا وأرادوها، جاء بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا ؟ فاكتفي من الجواب بما تقدم إذ كان دليلًا علىه، وقال ابن الأنباري: إنما حذف لانكشاف المعنى، وهذا كثير في القرآن .