والقول الثاني"وعليه أكثر النصارى إنه المخلص والمسيح نفسه يسمونه المخلص، قالوا وهذه كلمة سريانية ومعناها المخلص، قالوا وهو بالسريانية فاروق فجعل"فارق"قالوا و"ليط"كلمة تزاد، ومعناها كمعنى قول العرب: رجل هو، وحجر هو، وفرس هو. قالوا فكذلك معنى"ليط"في السريانية. وقالت طائفة أخرى من النصارى: معناه بالسريانية المعزى، قالوا وكذلك هو في اللسان اليوناني. ويعترض على هذين القولين بأن المسيح لم يكن لغته سريانية ولا يونانية بل عبرانية، وأجيب عن هذا بأنه يتكلم بالعبرانية، والإنجيل إنما نزل باللغة العبرانية وترجم عنه بلغة السريانية والرومية واليونانية وغيرهما، وأكثر النصارى على أنه المخلص، والمسيح نفسه يسمونه المخلص، وفي الانجيل الذي بأيديهم إنه قال:"إنما أتيت لأخلص العالم"والنصارى يوقولن في صلاتهم: لقد ولدت لنا مخلصا ولما لم يكن النصارى انكار هذه النصوص حرفوها أنوعا من التحريف، فمنهم من قال: هو روح نزلت على الحواريين، ومنهم من قال: هو ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ ففعلوا بها الآيات والعجائب، ومنهم من يزعم أنه المسيح نفسه لكونه جاء بعد الصلب بأربعين يوما وكونه قام من قبره، ومنهم من قال لا يعرف ما المراد بهذا الفارقليط ولا يتحق لنا معناه ومن تأمل الفاظ الإنجيل وسياقها علم أن تفسيره بالروح باطل، وابطل منه تفسيره بالألسن النارية، وأبطل منها تفسيره بالمسيح، فإن روح القدس، مازالت تنزل على الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده وليست موصوفة بهذه الصمفات وقد قال تعالى (لا تَجِدُ قومًا يُؤمِنونَ بِاللَهِ وَاليَومِ الآَخِرِ يُوادُونَ مَن حادَ اللَهَ وَرَسولَهُ وَلَو كانوا آَباءهُم أَو أَبناءَهُم أَو إِخوانَهُم أَو عَشَيرَتَهُم أَولئِكَ كَتَبَ في قُلوبِهِمُ الإِيمانَ وَأَيَدَهُم بِروحٍ مِنه) وقال النبي صلىا لله عليه وسلم لحسان ابن ثابت لما كان يهجو المشركين"اللهم أيده بروح القدس"وقال"إن روح القدس معك مازلت تنافح عن نبيه"وإذا كان كذلك ولم يسم أحد هذه الروح فارقليطا علم أن الفارقليط أمر غير هذا."وأيضا"فمثل هذه الروح لا زالت يؤيد بها الأنبياء والصالحون وما بشر به المسيح ووعد به أمر عظيم يأتي بعده أعظم من هذا"وأيضا"فإنه وصف الفارقليط بصفات لا تناسب هذا الروح وإنما تناسب رجلا يأتي بعده نظيرا له، فإنه قال::"إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياى وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطا آخر يثبت معكم إلى الأبد"وهذا إنما يكون لما يدوم ويبقى معهم إلى آخر الدهر ومعلوم أنه لم يرد بقاء ذاته فعلم أنه بقاء شرعه وأمره، والفارقليط الأول لم يثبت معهم شرعه ودينه إلى الأبد، وهذا يبين أن الثاني صاحب شرع لا ينسخ بل يبقى إلى الأبد بخلاف الأول، وهذا إنما ينطبق على محمد صلى الله عليه وسلم."