و"أيضا"فإنه أخبر أن هذا الفارقليط الذي أخبر به يشهد له ويعلمهم كل شيء وأنه يذكر لهم كل ما قال المسيح وأنه يوبخ العالم على خطيئته فقال"والفارقليط الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كلما قلت لكم، وقال إذا جاء الفارقليطن الذي أبي أرسله هو يشهد إني قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به، ولا تشكوا فيه، وقال إن خيرا لكم أن انطلق إلى أبي، إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط، فإن انطلقت أرسلته إليكم، فهو يوبخ العالم على الخطيئة، فإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقول لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عند نفسه بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب"فهذه الصفات والنعوت التي تلقوها عن المسيح لا تنطبق على أمر معنوي في قلب بعض الناس لا يراه أحد ولا يسمع كلامه، وإنما تنطبق على من يراه الناس ويسمعون كلامه، فيشهد للمسيح، ويعلمهم كل شيء ويذكرهم كلما قال لهم المسيحن ويوبخ العالم على الخطيئة، ويرشد الناس إلى جميع الحق، ولا ينطق من عنده بل يتلكم بما يسمع، ويخبرهم بكل ما يأتي، ويعرفهم جميع ما لرب العالمين وهذا لا يكون ملكا لا يراه أحد ولا يكون هدىً وعلما في قلب بعض الناسن ولا يكون إلا إنسانا عظيم القدر يخاطب بما أخبر به المسيح، وهذا لا يكون إلا بشرا رسولا، بل يكون أعظم من المسيح، فإن المسيح أخبر أنه يقدر على مالا يقدر عليه المسيح، ويعلم ما لا يعلمه المسيح، ويخبر بكل ما يأتي وبما يستحقه الرب حيث قال:"إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله ولكنكم لا تستطيعون حمله، ولكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بلك ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب"فلا يستريب عاقل أن هذه الصفات لا تنطبق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الأخبار عن الله بما هو متصف به من الصفات وعن ملائكته وعن ملكوته وعما أعده في الجنة لأوليائه وفي النار لأعدائه أمر لا تحتمل عقول أكثر الناس معرفته على التفصيل، قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله. وقال ابن مسعود: ما من رجل يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وسأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى: (الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَمَواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُن يَتَنَزَلَ الأَمرُ بَينَهُنَ) قال: ما يؤمنك أن لو أخبرتك بها لكفرت. يعني لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت بها وكفرك بها تكذيب بها تكذيب بها، فقال لهم المسيح"إن لي كلاما كثيرا أريد أن أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله"وهو الصادق المصدوق في هذا، ولهذا ليس في الإنجيل من صفات الله تعالى وصفات ملكوته وصفات اليوم الآخر إلا أمور مجملة، وكذلك التوراة ليس فيها من ذكر اليوم الآخر إلا أمور مجملة، مع أن موسى صلى الله عليه وسلم كان قد سهل الأمر للمسيح، ومع هذا فقد قال لهم المسيح:"إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لاتستطيعون حمله"ثم قال"ولكن إذا جاء روح الحق فذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق، وأنه يخبركم بكل ما يأتي، وبجميع ما للرب"فدل فذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق، وأنه يخبر كم بكل ما يأتي، وبجميع ما للرب"فدل هذا على أن"الفارقليط"هو الذي يفعل هذا دون المسي،ن وكذلك كان، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم أرشد الناس إلى جميع الحق حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة؛ ولهذا كان خاتم الأنبياء فإنه لم يبق نبي يأتي بعده غيره، وأخبر محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما يأتي من أشراط الساعة والقيامة والحساب والصراط ووزن الأعمال، والجنة وأنواع نعيمها، والنار وأنواع عذابها، ولهذا كان في القرآن تفصيل أمر الآخرة وذكر الجنة والنار وما يأتي أمور كثيرة لا توجد لا في التوراة ولا في الانجيل، وذلك تصديق قول المسيح إنه يخبر بكل ما يأتي، وذلك يتضمن صدق المسيح وصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى قوله تعالى: (إِنّهُم إِذا قيلَ لَهُم لا إِله إلاّ اللَهَ يَستَكبِرون وَيَقولونَ أَئِنا لَتارِكوا آَلهَتِنا لِشاعِرٍ مَجنون بَل جاءَ بِالحَقِ وَصَدَقَ المُرسَلين) أي مجيئه تصديق للرسل قبله، فإنهم اخبروا بمجيئه فجاء كما اخبروا به، فتضمن مجيئه"