فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 443

فيقال: إن قلتم: إنه ضم إلى معرفة القلب شروطًا في ثبوت الحكم أو الاسم، لم يكن هذا قول جهم، بل يكون هذا قول من جعل الإيمان ـ كالصلاة، والحج هو ـ وإن كان في اللغة بمعنى القصد والدعاء، لكن الشارع ضم إليه أمورًا إما في الحكم وإما في الحكم والاسم، وهذا القول قد سلم صاحبه أن حكم الإيمان المذكور في الكتاب والسنة لا يثبت بمجرد تصديق القلب، بل لابد من تلك الشرائط، وعلى هذا فلا يمكنه جعل الفاسق مؤمنًا إلا بدليل يدل على ذلك، لا بمجرد قوله: إن معه تصديق القلب، ومن جعل الإيمان هو تصديق القلب يقول: كل كافر في النار ليس معهم من التصديق باللّه شيء، لا مع إبليس ولا مع غيره، وقد قال اللّه تعالى: { وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ } [ غافر: 47، 48 ] وقال تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } [ الزمر: 71 ] ، فقد اعترفوا بأن الرسل أتتهم وتلت عليهم آيات ربهم وأنذرتهم لقاء يومهم هذا، فقد عرفوا اللّه ورسوله واليوم الآخر وهم في الآخرة كفار .

وقال تعالى: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ } [ الملك: 8، 9 ] ، فقد كذبوا بوجوده وكذبوا بتنزيله، وأما في الآخرة فعرفوا الجميع، وقال تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } [ الأنعام: 30 ] ،

وقال تعالى: { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد } [ ق: 19: 22 ] ، إلَى آيات أخر ٌ كثيرة تدل على أن الكفار في الآخرة يعرفون ربهم فإن كان مجرد المعرفة إيمانًا كانوا مؤمنين في الآخرة . فإن قالوا: الإيمان في الآخرة لا ينفع، وإنما الثواب على الإيمان في الدنيا .

قيل: هذا صحيح، لكن إذا لم يكن الإيمان إلا مجرد العلم، فهذه الحقيقة لا تختلف، فإن لم يكن العمل من الإيمان، فالعارف في الآخرة لم يفته شيء من الإيمان، لكن أكثر ما يدعونه أنه حين مات لم يكن في قلبه من التصديق بالرب شيء، ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين بالرب، حتى فرعون الذي أظهر التكذيب كان في باطنه مصدقًا، قال تعالي: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } [ النمل: 14 ] ، وكما قال موسى لفرعون: { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ } [ الإسراء: 102 ] ،ومع هذا لم يكن مؤمنًا؛ بل قال موسى: { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ } [ يونس: 88 ] قال الله: { قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا } [ يونس: 89 ] ،ولما قال فرعون: { آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } [ يونس: 90 ] . قال اللّه: { آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } [ يونس: 91 ] فوصفه بالمعصية، ولم يصفه بعدم العلم في الباطن كما قال: { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ } [ المزمل: 16 ] ، وكما قال عن إبليس: { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ } [ ص: 73، 74 ] ،

فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضته الأمر، لم يصفه بعدم العلم، وقد أخبر اللّه عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالصانع في مثل قوله: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ الزخرف: 87 ] .

ثم يقال لهم: إذا قلتم هوالتصديق بالقلب، أو باللسان، أو بهما، فهل هو التصديق المجمل ؟ أو لابد فيه من التفصيل ؟ فلو صدق أن محمدًا رسول اللّه ولم يعرف صفات الحق، هل يكون مؤمنا أم لا ؟ فإن جعلوه مؤمنًا، قيل: فإذا بلغه ذلك فكذب به، لم يكن مؤمنا باتفاق المسلمين، فصار بعض الإيمان أكمل من بعض، وإن قالوا: لا يكون مؤمنًا، لزمهم أن لا يكون أحد مؤمنًا حتى يعرف تفصيل كل ما أخبر به الرسول، ومعلوم أن أكثر الأمة لا يعرفون ذلك وعندهم الإيمان لا يتفاضل إلا بالدوام فقط .

قال أبو المعالي: فإن قال القائل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان المنهمك في فسقه كإيمان النبي صلىالله عليه وسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت