فيقال لهم: هذه الآية فيها نفي الإيمان عمن يواد المحادين للّه ورسوله، وفيها أن من لا يواد المحادين للّه ورسوله فإن اللّه كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهذا يدل على مذهب السلف أنه لابد في الإيمان من محبة القلب للّه ولرسوله، ومن بغض من يحاد اللّه ورسوله، ثم لم تدل الآية على أن العلم الذي في قلوبهم بأن محمدًا رسول اللّه يرتفع لا يبقى منه شيء، والإيمان الذي كتب في القلب ليس هو مجرد العلم والتصديق، بل هو تصديق القلب وعمل القلب؛ ولهذا قال: { وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ المجادلة: 22 ] فقد وعدهم بالجنة . وقد اتفق الجميع على أن الوعد بالجنة لا يكون إلا مع الإتيان بالمأمور به وترك المحظور، فعلم أن هؤلاء الذين كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، قد أدوا الواجبات التي بها يستحقون ما وعد اللّه به الأبرار المتقين، ودل هذا على أن الفساق لم يدخلوا في هذا الوعد، ودلت هذه الآية على أنه لا يوجد مؤمن يواد الكفار، ومعلوم أن خلقًا كثيرًا من الناس يعرف من نفسه أن التصديق في قلبه لم يكذب الرسول، وهو مع هذا يواد بعض الكفار، فالسلف يقولون: ترك الواجبات الظاهرة دليل على إنتفاء الإيمان الواجب من القلب، لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب ـ الذي هو حب اللّه ورسوله وخشية اللّه، ونحو ذلك ـ لا يستلزم أن لا يكون في القلب من التصديق شيء، وعند هؤلاء كل من نفى الشرع إيمانه دل على أنه ليس في قلبه شيء من التصديق أصلًا، وهذا سفسطة عند جماهير العقلاء .
وكذلك حكى ابن فُورَك عن أبي الحسن الأشعري قال: الإيمان هو اعتقاد صدق المخبر فيما يخبر به اعتقادًا هو علم، ومنه اعتقاد ليس بعلم، والإيمان باللّه ـ وهو اعتقاد صدقه ـ إنما يصح إذا كان عالمًا بصدقه في إخباره، وإنما يكون كذلك إذا كان عالمًا بأنه يتكلم والعلم بأنه متكلم بعد العلم بأنه حي، والعلم بأنه حي بعد العلم بأنه فاعل، والعلم بأنه فاعل بعد العلم بالفعل، وهو كون العالم فعلًا له، وقال: وكذلك يتضمن العلم بكونه قادرًا وله قدرة وعالمًا وله/ علم، ومريدًا وله إرادة، وسائر ما لا يصح العلم باللّه إلا بعد العلم به من شرائط الإيمان .
قلت: هذا مما اختلف فيه قول الأشعري، وهو أن الجهل ببعض الصفات، هل يكون جهلًا بالموصوف، أم لا ؟ على قولين، والصحيح الذي عليه الجمهور وهو آخر قوليه، أنه لا يستلزم الجهل بالموصوف، وجعل إثبات الصفات من الإيمان، مما خالف فيه الأشعري جهمًا فإن جهمًا غال في نفي الصفات، بل وفي نفي الأسماء .
قال أبو الحسن: ثم السمع ورد بضم شرائط أخر إليه، وهو ألا يقترن به ما يدل على كفر من يأتيه فعلًا وتركًا، وهو أن الشرع أمره بترك العبادة والسجود للصنم، فلو أتى به دل على كفره، وكذلك من قتل نبيًا واستخف به، دل على كفره، وكذلك لو ترك تعظيم المصحف أو الكعبة دل على كفره، قال: وأحد ما استدللنا به على كفره ما منع الشرع، أن يقرن بالإيمان أو أوجب ضمه إلى الإيمان لو وجد دلنا ذلك على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه، وكذلك كل ما كفر به المخالف من طريق التأويل فإنما كفرناه به لدلالته على فقد ما هو إيمان من قلبه؛ لاستحالة أن يقضي السمع بكفر من معه الإيمان والتصديق بقلبه .
فيقال: لا ريب أن الشارع لا يقضي بكفر من معه الإيمان بقلبه، لكن دعواكم أن الإيمان هو التصديق ـ وإن تجرد عن جميع أعمال القلب ـ غلط؛ ولهذا قالوا: أعمال التصديق والمعرفة من قلبه، ألا ترى أن الشريعة حكمت بكفره، والشريعة لا تحكم بكفر المؤمن المصدق؛ ولهذا نقول: إن كفر إبليس /لعنه اللّه كان أشد من كفر كل كافر، وأنه لم يعرف اللّه بصفاته قطعًا، ولا آمن به إيمانًا حقيقيًا باطنًا وإن وجد منه القول والعبادة، وكذلك اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الكفرة لم يوجد في قلوبهم حقيقة الإيمان المعتد به في حال حكمنا لهم بالكفر . قال اللّه تعالى: { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء } [ لمائدة: 18 ] ، وقوله: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } الآية [ النساء: 56 ] ، فجعل اللّه هذه الأمور شرطًا في ثبوت حكم الإيمان، فثبت أن الإيمان المعرفة بشرائط لا يكون معتدًا به دونها .