فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 443

وأما أبو حنيفة فيقول: من ترك الواجب ـ الذي ليس بفرض ـ عمدًا أساء ولا إعادة عليه، والجمهور يقولون: لا نعهد في العبادة واجبًا فيما يتركه الإنسان إلى غير بدل، ولا إعادة عليه، فلابد من وجوب البدل للإعادة . ولكن مع هذا اتفقت الأئمة على أن من ترك /واجبًا في الحج ليس بركن، ولم يجبره بالدم الذي عليه لم يبطل حجه، ولا تجب إعادته، فهكذا يقول جمهور السلف وأهل الحديث: أن من ترك واجبًا من واجبات الإيمان الذي لا يناقض أصول الإيمان - فعليه أن يجبر إيمانه؛ إما بالتوبة، وإما بالحسنات المكفرة . فالكبائر يتوب منها، والصغار تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن لم يفعل لم يحبط إيمانه جملة .

وأصلهم أن الإيمان يتبعَّض، فيذهب بعضه ويبقي بعضه، كما في قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ) ، ولهذا مذهبهم أن الإيمان يتفاضل ويتبعض، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم .

وأما الذين أنكروا تبعضه وتفاضله كأنهم قالوا: متى ذهب بعضه ذهب سائره، ثم انقسموا قسمين: فقالت الخوارج والمعتزلة: فعل الواجبات وترك المحرمات من الإيمان، فإذا ذهب بعض ذلك ذهب الإيمان كله فلا يكون مع الفاسق إيمان أصلًا بحال .

ثم قالت الخوارج: هو كافر، وقالت المعتزلة: ليس بكافر ولا مؤمن، بل هو فاسق، ننزله منزلةً بين المنزلتين، فخالفوا الخوارج في الاسم ووافقوهم في الحكم، وقالوا: إنه مخلد في النار، لا يخرج منها/بشفاعة ولا غيرها . والحزب الثاني: وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان؛ لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض، فقالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال، وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان؛ لأن الله فَرَّق بين الإيمان والأعمال في كتابه . ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول: إن الإيمان هو تصديق اللسان وقول القلب، وهذا المنقول عن حماد بن أبي سليمان ـ ومن وافقه؛ كأبي حنيفة وغيره، وقال جَهْم والصَّالحي ـ ومن وافقهما من أهل الكلام كأبي الحسن وغيره: إنه مجرد تصديق القلب .

وفصل الخطاب في هذا الباب أن اسم الإيمان قد يذكر مجردًا، وقد يذكر مقرونًا بالعمل أو بالإسلام . فإذا ذكر مجردًا تناول الأعمال كما في الصحيحين: ( الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله . وأدناها إماطة الأذي عن الطريق ) ، وفيهما أنه قال لوفد عبد القيس: ( آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خُمس ما غنمتم ) ، وإذا ذكر مع الإسلام ـ كما في حديث جبريل أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن/الإيمان والإسلام والإحسان ـ فَرَّق بينهما، فقال: ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) ، إلى آخره . وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( الإسلام علانية، والإيمان في القلب ) ، فلما ذكرهما جميعًا ذكر أن الإيمان في القلب، والإسلام ما يظهر من الأعمال .

وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة؛ لأنها لوازم ما في القلب؛ لأنه متى ثبت الإيمان في القلب، والتصديق بما أخبر به الرسول وجب حصول مقتضي ذلك ضرورة؛ فإنه ما أَسَرَّ أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفَلَتَات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه البتة، فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر في الظاهر .

ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، كقوله تعالى: { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إليهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أولياء } [ المائدة: 81 ] ، وقوله: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } الآية [ المجادلة: 22 ] ، ونحوها فالظاهر والباطن متلازمان لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلابد أن يستقيم الظاهر؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا إن في الجسد مُضْغَةً إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب ) ،/وقال عمر لمن رآه يعبث في صلاته: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه، وفي الحديث: ( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه ) .

ولهذا كان الظاهر لازمًا للباطن من وجه وملزومًا له من وجه، وهو دليل عليه من جهة كونه ملزومًا، لا من جهة كونه لازمًا؛ فإن الدليل ملزوم المدلول، يلزم من وجود الدليل وجود المدلول، ولا يلزم من وجود الشيء وجود ما يدل عليه، والدليل يَطَّرِدُ ولا ينعكس، بخلاف الحد فإنه يطرد وينعكس .

وتنازعوا في العلة هل يجب طردها، بحيث تبطل بالتخصيص والانتقاض ؟ والصواب أن لفظ العلة يعبر به عن العلة التامة، وهو مجموع ما يستلزم الحكم، فهذه يجب طردها، ويعبر به عن المقتضي للحكم الذي يتوقف اقتضاؤه على ثبوت الشروط، وانتفاء الموانع، فهذه إذا تخلف الحكم عنها لغير ذلك بطلت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت