فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 443

وكذلك تنازعوا في انعكاسها، وهو أنه هل يلزم من عدم الحكم عدمها ؟ فقيل: لا يجب انعكاسها؛ لجواز تعليل الحكم بعلتين . وقيل: يجب الانعكاس؛ لأن الحكم متى ثبت مع عدمها لم تكن مؤثرة فيه، بل كان غنيًا عنها، وعدم التأثير مبطل للعلة . وكثير من الناس يقول/ بأن عدم التأثير يبطل العلة، ويقول بأن العكس ليس بشرط فيها، وآخرون يقولون: هذا تناقض .

والتحقيق في هذا أن العلة إذا عُدِمت عُدِم الحكم المتعلق بها بعينه، لكن يجوز وجود مثل ذلك الحكم بعلة أخري، فإذا وجد ذلك الحكم بدون علة أخرى علم أنها عديمة التأثير وبطلت، وأما إذا وجد نظير ذلك الحكم بعلة أخرى كان نوع ذلك الحكم معللا بعلتين، وهذا جائز، كما إذا قيل في المرأة المرتدة: كفرت بعد إسلامها، فتقتل قياسًا على الرجل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدي ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زني بعد إحصانه، أو قتل نفسًا فقتل بها ) . فإذا قيل له لا تأثير لقولك: كفر بعد إسلامه، فإن الرجل يقتل بمجرد الكفر، وحينئذ فالمرأة لا تقتل بمجرد الكفر، فيقول: هذه علة ثابتة بالنص، وبقوله: ( من بَدَّل دينه فاقتلوه ) وأما الرجل فما قتلته لمجرد كفره، بل لكفره وجراءته؛ ولهذا لا أقتل من كان عاجزًا عن القتال؛ كالشيخ الهرم، ونحوه . وأما الكفر بعد الإسلام فعلة أخرى مبيحة للدم؛ ولهذا قتل بالردة من كان عاجزًا عن القتال كالشيخ الكبير .

وهذا قول مالك وأحمد،وإن كان ممن يري أن مجرد الكفر/يبيح القتال كالشافعي؛ قال: الكفر وحده علة، والكفر بعد الإسلام علة أخري .

وليس هذا موضع بسط هذه الأمور، وإنما ننبه عليها .

والمقصود أن لفظ الإيمان تختلف دلالته بالإطلاق والاقتران، فإذا ذُكِر مع العمل أريد به أصل الإيمان المقتضي للعمل، وإذا ذُكر وحده دخل فيه لوازم ذلك الأصل .

وكذلك إذا ذكر بدون الإسلام كان الإسلام جزءًا منه، وكان كل مسلم مؤمنًا، فإذا ذكر لفظ الإسلام مع الإيمان تميز أحدهما عن الآخر، كما في حديث جبريل، وكما في قوله تعالى: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [ الأحزاب: 35 ] ، ولهذا نظائر كلفظ المعروف والمنكر، والعدل والإحسان، وغير ذلك، ففي قوله: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [ الأعراف: 157 ] ، يدخل في لفظ المعروف كل مأمور به، وفي لفظ المنكر كل مَنهي عنه، وفي قوله تعالى: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنهى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ } [ العنكبوت: 45 ] ، جعل الفحشاء غير المنكر، وقوله: { وَيَنهى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ } [ النحل: 90 ] جعل الفحشاء والبغي غير المنكر .

وإذا قيل: هذا من باب عطف الخاص على العام، والعام على الخاص/ فللناس هنا قولان: منهم من يقول: الخاص دخل في العام وخص بالذكر، فقد ذكر مرتين . ومنهم من يقول: تخصيصه بالذكر يقتضي أنه لم يدخل في العام، وقد يعطف الخاص على العام، كما في قوله: { وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ } [ البقرة: 98 ] ، وقوله: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ } الآية [ الأحزاب: 7 ] ، وقد يعطف العام على الخاص، كما في قوله تعالى: { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا } [ الأحزاب: 27 ] .

وأصل الشبهة في الإيمان أن القائلين: أنه لا يتبعض قالوا: إن الحقيقة المركبة من أمور متى ذهب بعض أجزائها انتفت تلك الحقيقة، كالعشرة المركبة من آحاد، فلو قلنا: إنه يتبعض لزم زوال بعض الحقيقة مع بقاء بعضها، فيقال لهم: إذا زال بعض أجزاء المركب تزول الهيئة الاجتماعية الحاصلة بالتركيب، لكن لا يلزم أن يزول سائر الأجزاء، والإيمان المؤلف من الأقوال الواجبة، والأعمال الواجبة الباطنة والظاهرة هو المجموع الواجب الكامل، وهذه الهيئة الاجتماعية . تزول بزوال بعض الأجزاء، وهذه هي المنفية في الكتاب والسنة في مثل قوله: ( لا يزني الزاني ) إلخ، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } الآيات [ الحجرات: 15 ] ، ولكن لا يلزم أن تزول سائر الأجزاء، ولا أن سائر الأجزاء الباقية لا تكون من الإيمان بعد زوال بعضه . كما أن واجبات الحج من الحج الواجب الكامل، وإذا زالت زال/ هذا الكمال ولم يزل سائر الحج .

وكذلك الإنسان الكامل يدخل في مسماه أعضاؤه كلها، ثم لو قطعت يداه ورجلاه لم يخرج عن اسم الإنسان، وإن كان قد زال منه بعض ما يدخل في الاسم الكامل .

وكذلك لفظ الشجرة والباب والبيت والحائط، وغير ذلك، يتناول المسمي في حال كمال أجزائه بعد ذهاب بعض أجزائه .

وبهذا تزول الشبهة التي أوردها الرازي ـ ومن اتبعه، كالأصبهاني وغيره ـ على الشافعي؛ فإن مذهبه في ذلك مذهب جمهور أهل الحديث والسلف، وقد اعترض هؤلاء بهذه الشبهة الفاسدة على السلف .

والإيمان يتفاضل من جهة الشارع، فليس ما أمر الله به كل عبد هو ما أمر الله به غيره، ولا الإيمان الذي يجب على كل عبد يجب على غيره، بل كانوا في أول الإسلام يكون الرجل مؤمنا كامل الإيمان، مستحقًا للثواب إذا فعل ما أوجبه الله عليه ورسوله، وإن كان لم يقع منه التصديق المفصل بما لم ينزل من القرآن، ولم يصم رمضان، ولم يحج البيت، كما أن من آمن في زمننا هذا إيمانًا تاما، ومات قبل دخول وقت صلاة عليه مات مستكملًا للإيمان الذي وجب عليه، كما أنه مستحق للثواب على إيمانه ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت