جَمْعُ كَافِرَةٍ ( مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) كَالْمَجُوسِيَّاتِ وَالصَّابِئَاتِ وَعَابِدَاتِ الْأَوْثَانِ وَنَحْوِهِنَّ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ كِتَابٌ لقوله تعالى: { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } فَإِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالنَّهْيُ عَامٌّ فِي الْوَطْءِ ( بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ ) وَالْمُرَادُ بِالْوَطْءِ سَائِرُ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ , ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: ( وَيَحِلُّ ) لِلْمُسْلِمِ ( وَطْءُ ) الْإِمَاءِ ( الْكِتَابِيَّاتِ بِالْمِلْكِ ) لِعُمُومِ قوله تعالى: { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } ( وَيَحِلُّ لَنَا ) مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ ( وَطْءُ حَرَائِرِهِنَّ ) أَيْ الْكِتَابِيَّاتِ ( بِالنِّكَاحِ ) لِلْقَاعِدَةِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَنَا وَطْءُ إمَائِهِمْ بِالْمِلْكِ يَجُوزُ لَنَا وَطْءُ حَرَائِرِهِمْ بِالنِّكَاحِ وَلَوْ يَهُودِيَّةً تَنَصَّرَتْ وَبِالْعَكْسِ , وَكَذَا الْمَجُوسِيَّةُ إذَا تَهَوَّدَتْ أَوْ تَنَصَّرَتْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهَا تُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ . قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ } إلَى قَوْلِهِ: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ فِي الْآيَةِ الْحَرَائِرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ فِي آيَةِ: { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ } غَيْرُ الْكِتَابِيَّاتِ . قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَمَّا تَشَرَّفَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِتَمَسُّكِهِمْ بِالْكِتَابِ وَأَضَافَهُمْ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ } أُبِيحَتْ لَنَا نِسَاؤُهُمْ وَحَلَّ لَنَا طَعَامُهُمْ أَيْ ذَبَائِحُهُمْ ( تَنْبِيهٌ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِتَعْبِيرِهِ بِيَحِلُّ جَوَازُ نِكَاحِهِنَّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْحِلِّ عَدَمَ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ , وَمَشَى عَلَيْهَا خَلِيلٌ لِأَنَّهَا قَوْلُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمِ: وَالْكَافِرَةُ إلَّا الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ بِكُرْهٍ وَتَأَكَّدَ بِدَارِ الْحَرْبِ , وَإِنَّمَا كُرِهَ نِكَاحُهَا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَلَا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَلَا مِنْ الذَّهَابِ إلَى الْكَنِيسَةِ , وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ عَلَى دِينِهَا , وَأَيْضًا رُبَّمَا تَمُوتُ وَهِيَ حَامِلٌ فَتُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ , وَالْوَلَدُ الْكَائِنُ فِي بَطْنِهَا مَحْكُومٌ لَهُ بِالْإِسْلَامِ , وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مَظِنَّةُ الْمَوَدَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } الْآيَةَ , ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الْمِلْكِ فِي الْإِمَاءِ بِقَوْلِهِ: ( وَلَا يَحِلُّ ) لَنَا ( وَطْءُ إمَائِهِنَّ ) أَيْ الْكِتَابِيَّاتِ ( بِالنِّكَاحِ لِحُرٍّ وَلَا لِعَبْدٍ ) وَالْمُرَادُ بِإِمَائِهِنَّ الْكَائِنَاتُ عَلَى دِينِهِنَّ , فَلَيْسَتْ الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى اللَّازِمِ , وَحُرْمَةُ نِكَاحِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَلَوْ عَجَزَ عَنْ صَدَاقِ الْحُرَّةِ , لِأَنَّ حِلَّ الْأَمَةِ لِمَنْ عَدِمَ صَدَاقَ الْحُرَّةِ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ مَشْرُوطٌ بِإِسْلَامِ الْأَمَةِ , لِأَنَّ الْأَمَةَ الْكَافِرَةَ وَلَدُهَا رَقِيقٌ , فَيَلْزَمُ عَلَى نِكَاحِ الْمُسْلِمِ لَهَا اسْتِرْقَاقُ الْوَلَدِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ , لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ , وَأَبَاهُ فِي الدِّينِ وَالنَّسَبِ . ( تَنْبِيهَانِ ) الْأَوَّلُ: لَوْ تَزَنْدَقَتْ الْيَهُودِيَّةُ أَوْ النَّصْرَانِيَّةُ بِأَنْ أَظْهَرَتْ الْيَهُودِيَّةَ أَوْ النَّصْرَانِيَّةَ وَأَخْفَتْ الْمَجُوسِيَّةَ لَا يَجُوزُ لَنَا نِكَاحُهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً وَلَا وَطْؤُهَا بِالْمِلْكِ إنْ كَانَتْ أَمَةً , بِخِلَافِ لَوْ أَظْهَرَتْ النَّصْرَانِيَّةَ وَأَخْفَتْ الْيَهُودِيَّةَ أَوْ عَكْسِهِ فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ . الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ , كَأَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ الْيَهُودِيَّةَ أَوْ النَّصْرَانِيَّةَ أَوْ الْحُرَّةَ الْمَجُوسِيَّةَ , وَالْحُكْمُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ أَوْ أَسْلَمَتْ , وَيُرْجَمُ الزَّوْجُ فِي نِكَاحِ الْمَجُوسِيَّةِ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ: لَوْ تَعَمَّدَ الْمُسْلِمُ نِكَاحَ الْمَجُوسِيَّةِ بِخِلَافِ لَوْ تَزَوَّجَتْ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ بِمَجُوسِيٍّ أَوْ بِكَافِرٍ غَيْرِهِ لَمْ يَحُدَّا وَإِنْ تَعَمَّدَا , وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ يُحَدُّ فِي تَزَوُّجِهِ بِالْمَجُوسِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمَةِ