عَاصِيًا , وَيَجِبُ صِلَةُ الرَّحِمِ وَصَلَكَ أَوْ قَطَعَكَ , فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَيْسَ الْمُوَاصِلُ مِنْ يَصِلُ مَنْ وَصَلَهُ وَإِنَّمَا الْمُوَاصِلُ مِنْ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ , لِأَنَّ مُوَاصِلَ الْمُوَاصِلِ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ , يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ يَكُونُ رَحِمُهُ يَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُحِبُّ أَنْ يَصِلَهُ وَيَتَضَرَّرُ مِنْ حُضُورِهِ لَهُ , كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي بَعْضِ الْأَغْنِيَاءِ لَا يُحِبُّونَ مِنْ أَرْحَامِهِمْ الْفُقَرَاءِ الْقُرْبَ إلَيْهِمْ , فَهَؤُلَاءِ لَا يُطْلَبُ مِنْ الْقَرِيبِ الْفَقِيرِ صِلَتُهُمْ , وَلَا شَكَّ فِي إثْمِ الْغَنِيِّ بَلْ هُوَ اللَّئِيمُ , لِأَنَّهُ الَّذِي إذَا اسْتَغْنَى يَجْفُو قَرَابَتَهُ الْفُقَرَاءَ وَيُنْكِرُ نِسْبَتَهُمْ إلَيْهِ . وَفِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ فَوَائِدُ , مِنْهَا: أَنَّهَا تُطِيلُ فِي الْعُمُرِ وَتَزِيدُ فِي الرِّزْقِ وَتَدْعُو لِمَنْ يَصِلُهَا , فَفِي الصَّحِيحِ: { الرَّحِمُ شُجْنَةٌ وَصَلَ اللَّهُ مَنْ وَصَلَهَا وَقَطَعَ اللَّهُ مَنْ قَطَعَهَا } وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: { مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي عُمُرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ } وَيُنْسَأَ مِنْ النُّسَأِ فَهُوَ بِالْهَمْزِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: { الرَّحِمُ حُجْنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالْعَرْشِ تَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ ذَلْقٍ: اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي , وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي } وَشُجْنَةٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا فِي أُصُولٍ كَثِيرَةٍ , وَفِي الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ فِي إدْرَاكِ الْحَقِيقَةِ لِلسُّيُوطِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ حُجْنَةٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ . وَفِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحِمِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ وَحُكِيَ الْفَتْحُ أَيْضًا , وَأَصْلُهَا اشْتِبَاكُ الْعُرُوقِ وَالْأَغْصَانِ . وَفِي النِّهَايَةِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحِمِ أَيْ قَرَابَةٌ مُشْتَبِكَةٌ كَاشْتِبَاكِ الْعُرُوقِ وَشِبْهِهَا فَهُوَ مَجَازٌ , لِأَنَّ الشُّجْنَةَ فِي الْأَصْلِ شُعْبَةٌ مِنْ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ , وَبِضَبْطِ السُّيُوطِيّ الْتَبَسَ الْحَقُّ عِنْدِي هَلْ شُجْنَةٌ بِالشِّينِ أَوْ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ يُحَرَّرُ . وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ قِيلَ حَقِيقَةٌ وَقِيلَ مَجَازٌ عَنْ حُصُولِ الْبَرَكَةِ فِيهِ , وَكَمَا تَزِيدُ صِلَةُ الرَّحِمِ فِي الْعُمُرِ كَذَلِكَ الصَّدَقَةُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَبِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ لَقِيته مِنْ الْأُمَّةِ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَسٍ: { أَلَا أُعَلِّمُك ثَلَاثَ خِصَالٍ تَنْتَفِعُ بِهَا ؟ فَقُلْت: بَلَى بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ: مَنْ لَقِيت مِنْ أُمَّتِي فَسَلِّمْ عَلَيْهِ يَطُلْ عُمُرَك , وَإِذَا دَخَلْت بَيْتَك فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِك , وَتَسْرِيحُ اللِّحْيَةِ مِنْ الرَّأْسِ عَلَى الدَّوَامِ } لِأَنَّ الْمُلَازَمَةَ عَلَى ذَلِكَ تَحْفَظُ مِنْ الْبِلَى وَتُطِيلُ مِنْ الْعُمُرِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ , وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْصُلُ طُولُ الْعُمُرِ بِفِعْلِ خَصْلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهَا , وَالزِّيَادَةُ فِي الْعُمُرِ بِالْمَذْكُورَاتِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً , وَأَنْ تَكُونَ مَعْنَوِيَّةً بِأَنْ يُبَارِكَ فِي عُمُرِهِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ , وَيَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَوَازُ الدُّعَاءِ بِطُولِ الْعُمْرِ وَعَدَمُ جَوَازِهِ وَالْحَقُّ الْجَوَازُ , وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْعُمْرَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَبِاعْتِبَارِ مَا فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ . وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ وُجُوبِ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُلَازَمَةُ فِي كُلِّ زَمَنٍ بَيَّنَ هُنَا الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ( وَمِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ ) الثَّابِتِ لَهُ ( عَلَى ) أَخِيهِ ( الْمُؤْمِنِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ ) بِأَنْ يَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ , وَإِنَّمَا وَصَفْنَا الْحَقَّ بِالثَّابِتِ دُونَ الْوَاجِبِ , لِأَنَّ الْأُمُورَ الْآتِيَةَ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالتَّشْمِيتِ وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَكَذَلِكَ السَّلَامُ , لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْهُجْرَانِ الْمُحَرَّمِ يَكُونُ وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ يَكُونُ سُنَّةً فَلَا تَتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْحَقِّ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا , وَإِذَا سَلَّمَ الْمُؤْمِنُ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ فَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ خَالِيًا مِنْ الْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْحَسَدِ حَتَّى يَكُونَ مُوَالِيًا لَهُ . ( وَ ) مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أَيْضًا أَنْ ( يَعُودَهُ ) أَيْ يَزُورَهُ وَيَقُومَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ( إذَا مَرِضَ ) وَالْمَطَالِبُ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً الْقَرِيبُ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَصْحَابُهُ , فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أَصْحَابٌ فَأَهْلُ مَوْضِعِهِ , فَإِنْ تَرَكُوا جَمِيعًا عَصَوْا لِأَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ مِنْ