وقال تعالى عن الخليل: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [ البقرة: 129 ] ، وقال تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [ الأحزاب: 34 ] ، وقد قال غير واحد من العلماء، منهم يحيى ابن أبى كثير وقتادة والشافعى وغيرهم: {الًحٌكًمّة} : هى السنة، لأن الله أمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة، والكتاب: القرآن، وما سوى ذلك مما كان الرسول يتلوه هو السنة .
وقد جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه من حديث أبي رافع وأبي ثعلبة وغيرهما أنه قال: ( لا أُلْفِيَنَّ أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيتُ عنه فيقول: بيننا وبينكم القرآن، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ) . وفي رواية: ( ألا وإنه مثل الكتاب ) .
ولما كان القرآن متميزًا بنفسه ـ لما خصه الله به من الإعجاز الذي باين به كلام الناس كما قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [ الإسراء: 88 ] وكان منقولا بالتواتر ـ لم يطمع أحد في تغيير شىء من ألفاظه وحروفه، ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد .
فأقام الله ـ تعالى ـ الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بَيِّن الحق من البهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان .
وقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى المسلمين ـ مقام أهل الفقه الذين فقهوا معاني القرآن والحديث ـ بدفع ما وقع في ذلك من الخطأ في القديم والحديث، وكان من ذلك الظاهر الجلي، الذي لا يسوغ عنه العدول، ومنه الخفي، الذي يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول .
وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتِّلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة، والقصص المأثورة، ما هو عند أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب وتركهم لذيذ الطعام والشراب، وترك معاشرة الأهل والأصحاب، والتصبر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال الصعاب، أمر حببه الله إليهم وحلاه ليحفظ بذلك دين الله . كما جعل البيت مثابة للناس وأمنًا، يقصدونه من كل فج عميق، ويتحملون فيه أمورًا مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال حكمة من الله يحفظ بها الدين ليهدى المهتدين، ويظهر به الهدى ودين الحق، الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون .
فمن كان مخلصًا في أعمال الدين يعملها لله، كان من أولياء الله المتقين، أهل النعيم المقيم، كما قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [ يونس: 62: 64 ] .
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى في الدنيا بنوعين:
أحدهما: ثناء المثنين عليه .
الثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له .
فقيل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه ؟ قال: ( تلك عاجل بشرى المؤمن ) . وقال البراء بن عازب: سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن قوله [تعالى] : {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فقال: ( هى الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له )
والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الربان، الحافظون له من الزيادة والنقصان، هم من أعظم أولياء اللّه المتقين وحزبه المفلحين، بل لهم مزية على غيرهم من أهل الإيمان والأعمال الصالحات، كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [ المجادلة: 11 ] قال ابن عباس: يرفع الله [ الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات ] .
وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله سُلَّمًا إلى الدراية . فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة، أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمعوج والقويم .
وغيرهم من أهل البدع والكفار، إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل .