/والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء ولا يستثنون في الإيمان، بل يقولون: هو مؤمن حقًا لمن أظهر الإيمان، وإذا كان منافقًا فهو مخلد في النار عندهم، فإنه إنما يدخل الجنة من آمن باطنًا وظاهرًا، ومن حكي عنهم أنهم يقولون: المنافق يدخل الجنة، فقد كذب عليهم، بل يقولون: المنافق مؤمن لأن الإيمان هو القول الظاهر، كما يسميه غيرهم مسلمًا؛ إذ الإسلام: هو الاستسلام الظاهر، ولا ريب أن قول الجهمية أفسد من قولهم من وجوه متعددة، شرعًا ولغة وعقلًا .
وإذا قيل: قول الكرَّامية قول خارج عن إجماع المسلمين، قيل: وقول جهم في الإيمان قول خارج عن إجماع المسلمين قبله، بل السلف كفروا من يقول بقول جهم في الإيمان . وقد احتج الناس على فساد قول الكرامية بحجج صحيحة، والحجج من جنسها على فساد قول الجهمية أكثر، مثل قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [ البقرة: 8 ] ، قالوا: فقد نفى اللّه الإيمان عن المنافقين .
فنقول: هذا حق، فإن المنافق ليس بمؤمن، وقد ضل من سماه مؤمنا، وكذلك من قام بقلبه علم وتصديق وهو يجحد الرسول ويعاديه، كاليهود وغيرهم، سماهم اللّه كفارًا لم يسمهم مؤمنين قط ولا دخلوا في شيء من أحكام الإيمان، بخلاف المنافق فإنه يدخل في أحكام الإيمان الظاهرة في الدنيا، بل قد نفى اللّه الإيمان عمن قال بلسانه وقلبه إذا لم يعمل، كما قال تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا } إلى قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [ الحجرات: 14، 15 ] ، فنفى الإيمان عمن سوى هؤلاء .
وقال تعالى: { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [ النور: 47 ] ، والتولي هو: التولي عن الطاعة كما قال تعالى: { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [ الفتح: 16 ] . وقال تعالى: { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ القيامة: 31، 32 ] ، وقد قال تعالى: { لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ الليل: 15، 16 ] ، وكذلك قال موسى وهارون: { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ طه: 48 ] . فعلم أن التولي ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر، ويطيعوه فيما أمر . وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي؛ فلهذا قال: { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ القيامة 31: 32 ] ، وقد قال تعالى: { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [ النور: 47 ] ، فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان قد أتى بالقول، وقال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } [ النور: 62 ] ، وقال: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال: 2 ] .
ففي القرآن والسنة من نفى الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق . وأما العالم بقلبه مع المعاداة والمخالفة الظاهرة،/ فهذا لم يسم قط مؤمنًا، وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين، ولو قال وعمل ماذا عسى أن يقول ويعمل ؟ ولا يتصور عندهم أن ينتفى عنه الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من قلبه .
ثم أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم يقولون بالإستثناء في الإيمان، ويقولون: الإيمان في الشرع هو ما يوافي به العبد ربه، وإن كان في اللغة أعم من ذلك، فجعلوا في مسألة الإستثناء مسمى الإيمان ما ادعوا أنه مسماه في الشرع، وعدلوا عن اللغة، فهلا فعلوا هذا في الأعمال . ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة، بخلاف دلالته على أنه لا يسمى إيمانا؛ إلا ما مات الرجل عليه فإنه ليس في الشرع ما يدل على هذا، وهو قول محدث لم يقله أحد من السلف، لكن هؤلاء ظنوا أن الذين استثنوا في الإيمان من السلف كان هذا مأخذهم؛ لأن هؤلاء وأمثالهم لم يكونوا خبيرين بكلام السلف، بل ينصرون ما يظهر من أقوالهم بما تلقوه عن المتكلمين من الجهمية ونحوهم من أهل البدع، فيبقى الظاهر قول السلف، والباطن قول الجهمية الذين هم أفسد الناس مقالة في الإيمان . وسنذكر ـ إن شاء اللّه ـ أقوال السلف في [ الاستثناء في الإيمان ] ولهذا لما صار يظهر لبعض أتباع أبي الحسن فساد قول جهم في الإيمان، خالفه كثير منهم، فمنهم من اتبع السلف .