فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 443

وكل من القوتين تقوى بالأخرى، فالعلم يقوي العمل، والعمل يقوي العلم، فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له، وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له ومعرفته بأسمائه وصفاته، فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر المحبوب، كما أن البغض يوجب الإعراض عن ذكر المبغض، فمن عادى الله ورسوله وحاد الله ورسوله كان ذلك مقتضيًا لإعراضه عن ذكر الله ورسوله بالخير، وعن ذكر ما يوجب المحبة، فيضعف علمه به حتى قد ينساه، كما قال تعالى: { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ } [ الحشر: 19 ] ، وقال تعالى: { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [ الكهف: 28 ] ، وقد يحصل مع ذلك تصديق وعلم مع بغض ومعاداة، لكن تصديق ضعيف، وعلم ضعيف، ولكن لولا البغض والمعاداة لأوجب ذلك من محبة الله ورسوله ما يصير به مؤمنًا .

فمن شرط الإيمان وجود العلم التام؛ ولهذا كان الصواب: أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضى كفره إذا لم يعلمه، كحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته، بل العلماء بالله يتفاضلون في العلم به، ولهذا يوصف من لم يعمل بعلمه بالجهل وعدم العلم، قال تعالى: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } [ النساء: 17 ] ، قال أبو العالية: / سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب . ومنه قول ابن مسعود: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا . وقيل للشعبي: أيها العالم ؟ فقال: العالم من يخشى الله، وقد قال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } [ فاطر: 28 ] .

وقال أبو حَيَّان التَّيْمِيّ: العلماء ثلاثة: عالم بالله وبأمر الله، وعالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، فالعلم بالله الذي يخشاه، والعالم بأمر الله الذي يعلم حدوده وفرائضه، وقد قال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } . وهذا يدل على أن كل من خشى الله فهو عالم، وهو حق ولا يدل على أن كل عالم يخشاه، لكن لما كان العلم به موجبًا للخشية عند عدم المعارض كان عدمه دليلًا على ضعف الأصل، إذ لو قوى لدفع المعارض .

وهكذا لفظ العقل يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد بها أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم .

وكذلك لفظ [ الجهل ] يعبر به عن عدم العلم، ويعبر به عن عدم العمل بموجب العلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان أحدكم صائمًا فلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم ) . والجهل هنا هو الكلام الباطل، بمنزلة الجهل المركب، ومنه قول الشاعر:

ألا لا يجهلن أحد علينا ** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

/ومن هذا سميت [ الجاهلية ] جاهلية،وهي متضمنة لعدم العلم أو لعدم العمل به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) لما سَابَّ رجلًا وعَيَّرَهُ بأمِّه، وقد قال تعالى: { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } [ الفتح: 26 ] فإن الغضب والحمية تحمل المرء على فعل ما يضره وترك ما ينفعه، وهذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنه يضره، وترك ما يعلم أنه ينفعه؛ لما في نفسه من البغض والمعاداة الأشخاص وأفعال، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم لعدم موجبه ومقتضاه . ولكن ذلك الموجب والنتيجة لا توجد عنه وحده، بل عنه وعما في النفس من حب ما ينفعها، وبغض ما يضرها، فإذا حصل لها مرض ففسدت به، أحبت ما يضرها، وأبغضت ما ينفعها، فتصير النفس كالمريض الذي يتناول ما يضره لشهوة نفسه له، مع علمه أنه يضره .

قلت: هذا معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يحب البَصَرَ النافذ عند وُرُودِ الشُبُهَات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ) رواه البيهقي مرسلًا، وقد قال تعالى: { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } [ ص: 45 ] ، فوصفهم بالقوة في العمل والبصيرة في العلم، وأصل القوة قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر، فإن المؤمن قوته في قلبه وضعفه في جسمه، والمنافق قوته في جسمه وضعفه في قلبه، فالإيمان لابد/ فيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق والمحبة له، فهذا أصل القول، وهذا أصل العمل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت