فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 443

وابن عقيل لما كان في كثير من كلامه طائفة من كلام المعتزلة سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، فقال: يا هذا ! هب أن له وجهًا أفتتلذذ بالنظر إليه ؟ ! وهذا اللفظ مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه النسائي وغيره عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الدعاء: ( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك/ الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين ) .

وقد روى هذا اللفظ من وجه آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ أظنه من رواية زيد بن ثابت ـ ومعناه في الصحيح من حديث صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة ) يعني قوله: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } [ يونس: 26 ] .

فقد أخبر أنه ليس فيما أعطوه من النعيم أحب إليهم من النظر، وإذا كان النظر إليه أحب الأشياء إليهم علم أنه نفسه أحب الأشياء إليهم، وإلا لم يكن النظر أحب أنواع النعيم إليهم، فإن محبة الرؤية تتبع محبة المرئي، وما لا يحب ولا يبغض في نفسه لا تكون رؤيته أحب إلى الإنسان من جميع أنواع النعيم .

وفي الجملة، فإنكار الرؤية والمحبة والكلام ـ أيضًا ـ معروف من كلام الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، والأشعرية ومن تابعهم يوافقونهم على/ نفي المحبة ويخالفونهم في إثبات الرؤية ولكن الرؤية التي يثبتونها لا حقيقة لها .

وأول من عرف عنه في الإسلام أنه أنكر أن الله يتكلم، وأن الله يحب عباده: الجعد ابن درهم، ولهذا أنكر أن يكون اتخذ الله إبراهيم خليلًا، أو كلم موسى تكليمًا، فضَحَّى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: ضحوا أيها الناس، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقوله الجعد علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه .

وأما الصوفية، فهم يثبتون المحبة بل هذا أظهر عندهم من جميع الأمور، وأصل طريقتهم إنما هي الإرادة والمحبة، وإثبات محبة الله مشهور في كلام أوليهم وآخريهم، كما هو ثابت بالكتاب والسنة واتفاق السلف .

والمحبة جنس تحته أنواع كثيرة فكل عابد محب لمعبوده، فالمشركون يحبون آلهتهم، كما قال الله تعالى: { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } [ البقرة: 165 ] ، وفيه قولان:

أحدهما: يحبونهم كحب المؤمنين لله، والثاني: يحبونهم كما/ يحبون الله؛ لأنه قد قال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } [ البقرة: 165 ] ، فلم يمكن أن يقال: إن المشركين يعبدون آلهتهم كما يعبد الموحدون الله، بل كما يحبون ـ هم ـ الله، فإنهم يعدلون آلهتهم برب العالمين، كما قال: { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } [ الأنعام: 1 ] ، وقال: { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [ الشعراء: 97، 98 ] .

وقد قال: بعض من نصر القول الأول في الجواب عن حجة القول الثاني قال المفسرون: قوله: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } ، أي: أشد حبًا لله من المشركين لآلهتهم . فيقال له: ما قاله هؤلاء المفسرون مناقض لقولك، فإنك تقول: إنهم يحبون الأنداد كحب المؤمنين لله، وهذا يناقض أن يكون المؤمنون أشد حبًا لله من المشركين لأربابهم، فتبين ضعف هذا القول وثبت أن المؤمنين يحبون الله أكثر من محبة المشركين لله ولآلهتهم، لأن أولئك أشركوا في المحبة، والمؤمنون أخلصوها كلها لله .

وأيضًا، فقوله: { كَحُبِّ اللَّهِ } أضيف فيه المصدر إلى المحبوب المفعول، وحذف فاعل الحب، فإما أن يراد كما يحب الله ـ من غير تعيين فاعل ـ فيبقى عامًا في حق الطائفتين، وهذا يناقض قوله: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } ، وإما أن يراد كحبهم لله، ولا يجوز أن يراد كما يحب غيرهم لله، إذ ليس في الكلام ما يدل على هذا بخلاف حبهم، فإنه قد دل عليه قوله: { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [ البقرة: 165 ] ، فأضاف الحب المشبه إليهم/ فكذلك الحب المشبه لهم إذ كان سياق الكلام يدل عليه إذا قال: يحب زيدًا كحب عمرو، أو يحب عليا كحب أبي بكر، أو يحب الصالحين من غير أهله كحب الصالحين من أهله، أو قيل: يحب الباطل كحب الحق، أو يحب سماع المكاء والتصدية كحب سماع القرآن، وأمثال ذلك لم يكن المفهوم إلا أنه هو المحب للمشبه والمشبه به، وأنه يحب هذا كما يحب هذا، لا يفهم منه أنه يحب هذا كما يحب غيره هذا . إذ ليس في الكلام ما يدل على محبة غيره أصلا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت