فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 443

ومن هؤلاء طائفة هم أعلاهم قدرًا، وهم مستمسكون بالدين في أداء الفرائض المشهورة، واجتناب المحرمات المشهورة، لكن يغلطون في ترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة، ظانين أن العارف إذا شهد [ القدر ] أعرض عن ذلك، مثل من يجعل التوكل منهم أو الدعاء، ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناء على أن من شهد القدر علم أن ما قدر سيكون، فلا حاجة إلى ذلك، وهذا غلط عظيم . فإن اللّه قدر الأشياء بأسبابها كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن اللّه خلق للجنة أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون ) ، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بأن اللّه كتب المقادير فقالوا: يا رسول اللّّه، أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ فقال: ( لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة، فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فسييسر لعمل أهل الشقاوة ) .

/فما أمر اللّه به عباده من الأسباب فهو عبادة والتوكل مقرون بالعبادة كما في قوله تعالى: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [ هود: 123 ] ، وفي قوله: { قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } [ الرعد: 30 ] ، وقول شعيب ـ عليه السلام ـ: { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [ هود: 88 ] .

ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات، فتنقص بقدر ذلك .

ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة، أو استجابة دعوة مخالفة العادة العامة، ونحو ذلك، فيشتغل أحدهم عما أمر به من العبادة، والشكر، ونحو ذلك .

فهذه الأمور ونحوها كثيرًا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه، وإنما ينجو العبد منها بملازمة أمر اللّه الذي بعث به رسوله في كل وقت . كما قال الزهري: كان من مضى من سلفنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة . وذلك أن السنة ـ كما قال مالك رحمه اللّه ـ مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق .

والعبادة، والطاعة، والاستقامة، ولزوم الصراط المستقيم، ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد، ولها أصلان:

/أحدهما: ألا يعبد إلا اللّه .

والثاني: أن يعبد بما أمر وشرع لا بغير ذلك من البدع . قال تعالى: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [ الكهف: 110 ] ، وقال تعالى: { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة: 112 ] ، وقال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا } [ النساء: 125 ] ، فالعمل الصالح هو الإحسان وهو فعل الحسنات . والحسنات، هي ما أحبه اللّه ورسوله، وهو ما أمر به أمر إىجاب، أو استحباب، فما كان من البدع في الدين التي ليست مشروعة، فإن اللّه لايحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات، ولا من العمل الصالح، كما أن من يعمل ما لايجوز كالفواحش، والظلم ليس من الحسنات، ولا من العمل الصالح .

وأما قوله: { وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } وقوله: { أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } ، فهو إخلاص الدين للّه وحده، وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا .

وقال الفضيل بن عياض في قوله: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [ هود: 7، الملك: 2 ] ، قال: أخلصه، وأصوبه . قالوا: يا أبا على، ما أخلصه وأصوبه ؟ قال: / إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون للّه، والصواب أن يكون على السنة .

فإن قيل: فإذا كان جميع ما يحبه اللّه داخلًا في اسم العبادة، فلماذا عطف عليها غيرها، كقوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة: 5 ] ، وقوله: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [ هود: 123 ] ، وقال نوح: { أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِي } [ نوح: 3 ] ، وكذلك قول غيره من الرسل . قيل: هذا له نظائر، كما في قوله: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } [ العنكبوت: 45 ] ، والفحشاء من المنكر، وكذلك قوله: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ } [ النحل: 90 ] ، وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان، كما أن الفحشاء والبغي من المنكر، وكذلك قوله: { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } [ الأعراف: 170 ] ، وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب، وكذلك قوله: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } [ الأنبياء: 90 ] ، ودعاؤهم رغبا ورهبا من الخيرات، وأمثال ذلك في القرآن كثير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت