فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 443

ومثل هذا كثير في كتاب اللّه وسنة رسوله واتفاق المؤمنين يحمد ويذم على ما شاء اللّه من مساعي القلوب وأعمالها، مثل قوله في الحديث الصحيح المتفق عليه: ( لا تباغضوا ولا تحاسدوا ) ، وقوله: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ) ، وقوله: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) ، وقوله: ( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ) ، و ( لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ) ، وقوله: ( لا تسموا العنب الكرم، وإنما الكرم قلب المؤمن ) وأمثال هذا كثير .

بل قول القلب وعمله هو الأصل، مثل تصديقه وتكذيبه وحبه وبغضه، من ذلك ما يحصل به مدح وذم وثواب وعقاب بدون فعل الجوارح الظاهرة، ومنه ما لا يقترن به ذلك إلا مع الفعل بالجوارح الظاهرة / إذا كانت مقدورة، وأما ما ترك فيه فعل الجوارح الظاهرة للعجز عنه فهذا حكم صاحبه حكم الفاعل، فأقوال القلب وأفعاله ثلاثة أقسام:

أحدها: ما هو حسنة وسيئة بنفسه .

وثانيها: ما ليس سيئة بنفسه حتى يفعل، وهو السيئة المقدورة كما تقدم .

وثالثها: ما هو مع العجز كالحسنة والسيئة المفعولة، وليس هو مع القدرة كالحسنة والسيئة المفعولة، كما تقدم .

فالقسم الأول: هو ما يتعلق بأصول الإيمان من التصديق والتكذيب، والحب والبغض، وتوابع ذلك؛ فإن هذه الأمور يحصل فيها الثواب والعقاب، وعلو الدرجات، وأسفل الدركات، بما يكون في القلوب من هذه الأمور، وإن لم يظهر على الجوارح، بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال الصالحة، وإنما عقابهم وكونهم في الدرك الأسفل من النار على ما في قلوبهم من الأمراض، وإن كان ذلك قد يقترن به أحيانًا بغض القول والفعل، لكن ليست العقوبة مقصورة على ذلك البغض اليسير، وإنما ذلك البغض دلالة كما قال تعالى: { وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } [ محمد: 30 ] ، فأخبر أنهم لابد أن يعرفوا في لحن القول .

وأما القسم الثاني، والثالث: فمظنة الأفعال التي لا تنافى أصول الإيمان، مثل المعاصي الطبعية، مثل الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من مات يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه، دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق، وإن شرب الخمر ) ، وكما شهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح للرجل الذي كان يكثر شرب الخمر، وكان يجلده كلما جيء به فلعنه رجل، فقال: ( لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله ) ، وفي رواية قال بعضهم: أخزاه اللّه ما أكثر ما يؤتى به في شرب الخمر . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخيكم ) وهذا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة .

ولهذا قال: ( إن اللّه تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به ) ، والعفو عن حديث النفس إنما وقع لأمة محمد المؤمنين باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فعلم أن هذا العفو هو فيما يكون من الأمور التي لا تقدح في الإيمان، فأما ما نافى الإيمان فذلك لا يتناوله لفظ الحديث؛لأنه إذا نافى الإيمان لم يكن صاحبه من / أمة محمد في الحقيقة، ويكون بمنزلة المنافقين، فلا يجب أن يعفى عما في نفسه من كلامه أو عمله، وهذا فرق بين يدل عليه الحديث، وبه تأتلف الأدلة الشرعية، وهذا كما عفا اللّه لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، كما دل عليه الكتاب والسنة، فمن صح إيمانه عفى له عن الخطأ والنسيان، وحديث النفس، كما يخرجون من النار، بخلاف من ليس معه الإيمان فإن هذا لم تدل النصوص على ترك مؤاخذته بما في نفسه وخطئه ونسيانه؛ ولهذا جاء: ( نية المؤمن خير من عمله ) هذا الأثر رواه أبو الشيخ الأصبهاني في [ كتاب الأمثال ] من مراسيل ثابت البناني، وقد ذكره ابن القيم في النية من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ضعفها، فاللّه أعلم .

فإن النية يثاب عليها المؤمن بمجردها، وتجرى مجرى العمل إذا لم يمنع من العمل بها إلا العجز، ويمكنه ذلك في عامة أفعال الخير، وأما عمل البدن فهو مقيد بالقدرة، وذلك لا يكون إلا قليلا؛ ولهذا قال بعض السلف: قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في بدنه، وقوة المنافق في بدنه، وضعفه في قلبه .

وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى: { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } الآية [ البقرة: 284 ] ، وهذه الآية وإن كان قد قال طائفة من السلف: إنها منسوخة كما روى البخاري في صحيحه عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو ابن عمر ـ أنها نسخت، فالنسخ في لسان السلف أعم مما هو في لسان المتأخرين، يريدون به رفع الدلالة مطلقا، وإن كان تخصيصًا للعام أو تقييدا للمطلق، وغير ذلك، كما هو معروف في عرفهم، وقد أنكر آخرون نسخها لعدم دليل ذلك، وزعم قوم أن ذلك خبر، والخبر لا ينسخ، ورد آخرون بأن هذا خبر عن حكم شرعي، كالخبر الذي بمعنى الأمر والنهي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت