فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 443

ولكن تباح عند الحاجة الشرعية المعاريض وقد تسمى كذبًا؛ لأن الكلام يعنى به المتكلم معنى، وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب، فإذا لم يكن على ما يعنيه فهو الكذب المحض، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب، فهذه المعاريض، وهى كذب باعتبار الأفهام، وإن لم تكن كذبا باعتبار الغاية السائغة . ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: ( لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات اللّه: قوله لسارة: أختى ، وقوله { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } [ الأنبياء: 63 ] ، وقوله: { إِنِّي سَقِيمٌ } [ الصافات: 89 ] ) ، وهذه الثلاثة معاريض .

وبها احتج العلماء على جواز التعريض للمظلوم، وهو أن يعنى بكلامه ما يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه المخاطب؛ ولهذا قال من قال من /العلماء: إن ما رخص فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إنما هو من هذا، كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ليس الكاذب بالذى يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمى خيرا ) . ولم يرخص فيما يقول الناس: إنه كذب، إلا في ثلاث: في الإصلاح بين الناس، وفى الحرب؛ وفى الرجل يحدث امرأته، قال: فهذا كله من المعاريض خاصة .

ولهذا نفى عنه النبى صلى الله عليه وسلم اسم الكذب باعتبار القصد والغاية، كما ثبت عنه أنه قال: ( الحرب خدعة ) ، وأنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها . ومن هذا الباب قول الصديق في سفر الهجرة عن النبى صلى الله عليه وسلم: هذا الرجل يهدينى السبيل . وقول النبى صلى الله عليه وسلم للكافر السائل له في غزوة بدر: ( نحن من ماء ) ، وقوله للرجل الذى حلف على المسلم الذى أراد الكفار أسره: ( إنه أخى ) ، وعنى أخوة الدين، وفهموا منه أخوة النسب، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ( إن كنت لأبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم ) .

والمقصود هنا أن النبى صلى الله عليه وسلم فرق بين الاغتياب وبين البهتان، وأخبر أن المخبر بما يكره أخوه المؤمن عنه إذا كان صادقا فهو المغتاب، وفى قوله صلى الله عليه وسلم: ( ذكرك أخاك بما/ يكره ) موافقة لقوله تعالى: { وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ } [ الحجرات: 12 ] . فجعل جهة التحريم كونه أخًا أخوة الإيمان؛ ولذلك تغلظت الغيبة بحسب حال المؤمن، فكلما كان أعظم إيمانًا كان اغتيابه أشد .

ومن جنس الغيبة الهمز واللمز، فإن كلاهما فيه عيب الناس والطعن عليهم، كما في الغيبة، لكن الهمز هو الطعن بشدة وعنف، بخلاف اللمز فإنه قد يخلو من الشدة والعنف، كما قال تعالى: { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ } [ التوبة: 58 ] أى: يعيبك ويطعن عليك . وقال تعالى: { وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات: 11 ] أى: لا يلمز بعضكم بعضًا، وقال: { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } [ القلم: 11 ] . وقال: { وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } [ الهمزة: 1 ] .

إذا تبين هذا فنقول: ذكر الناس بما يكرهون هو في الأصل على وجهين: أحدهما: ذكر النوع . والثانى: ذكر الشخص المعين الحى أو الميت .

أما الأول فكل صنف ذمه اللّه ورسوله يجب ذمه، ولىس ذلك من الغيبة، كما أن كل صنف مدحه اللّه ورسوله يجب مدحه، وما لعنه اللّه ورسوله لعن، كما أن من صلى اللّه عليه وملائكته يصلى عليه . فاللّه ـ تعالى ـ ذم الكافر، والفاجر، والفاسق، والظالم، والغاوى، والضال، / والحاسد، والبخيل، والساحر، وآكل الربا، وموكله، والسارق، والزانى، والمختال، والفخور، والمتكبر الجبار، وأمثال هؤلاء كما حمد المؤمن التقى، والصادق، والبار، والعادل، والمهتدى، والراشد، والكريم، والمتصدق، والرحيم، وأمثال هولاء . ولعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، والمحِلّل والمحلَّل له، ولعن من عمل عَمل قوم لوط . ولعن من أحدث حدثا أو آوى محدثًا، ولعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها، ولعن اليهود والنصارى حيث حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها، ولعن اللّه الذين يكتمون ما أنزل اللّه من البينات من بعد ما بينه للناس، وذكر لعنة الظالمين .

واللّه هو وملائكته يصلون على النبى، ويصلون على الذين آمنوا . والصابر المسترجع عليه صلاة من ربه ورحمة . واللّه وملائكته يصلون على معلم الناس الخير، ويستغفر له كل شىء حتى الحيتان والطير، وأمر اللّه نبيه أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات .

فإذا كان المقصود الأمر بالخير والترغيب فيه، والنهى عن الشر والتحذير منه، فلابد من ذكر ذلك، ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا بلغه أن أحدًا فعل ما ينهى عنه يقول: ( ما بال رجال يشترطون /شروطا ليست في كتاب اللّه ؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب اللّه، فهو باطل وإن كان مائة شرط ) ، ( ما بال رجال يتنزهون عن أشياء أترخص فيها ؟ واللّه إنى لأتقاكم للّه وأعلمكم بحدوده ) ، ( ما بال رجال يقول أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، ويقول الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، ويقول الآخر: لا أتزوج النساء، ويقول الآخر: لا آكل اللحم، لكنى أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتى فليس منى ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت