فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 443

ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر؛ حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة . فلعنوا الكلابية والأشعرية: كما كان في مملكة الأمير [ محمود بن سبكتكين ] وفي دولة السلاجقة ابتداء وكذلك الخليفة القادر؛ ربما اهتم بذلك واستشار المعتزلة من الفقهاء ورفعوا إليه أمر القاضي [ أبي بكر ] ونحوه وهموا به حتى كان يختفي وإنما تستر بمذهب الإمام أحمد وموافقته ثم ولى النظام وسعوا في رفع اللعنة واستفتوا من استفتوه من فقهاء العراق كالدامغاني الحنفي وأبي إسحاق الشيرازي وفتواهما حجة على من بخراسان من الحنفية والشافعية . وقد قيل: إن أبا إسحاق استعفي من ذلك فألزموه وأفتوا بأنه لا يجوز لعنتهم ويعزر من يلعنهم وعلل الدامغاني: بأنهم طائفة من المسلمين . وعلل أبو إسحاق - مع ذلك -: بأن لهم ذبا وردا على أهل البدع المخالفين للسنة فلم يمكن المفتي أن يعلل رفع الذم إلا بموافقة السنة والحديث . وكذلك رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد فتوى طويلة فيها أشياء حسنة قد سئل بها عن مسائل متعددة قال فيها: - ولا يجوز شغل المساجد بالغناء والرقص ومخالطة المردان ويعزر فاعله تعزيرًا بليغًا رادعًا وأما لبس الحلق والدمالج والسلاسل والأغلال والتختم بالحديد والنحاس فبدعة وشهرة . وشر الأمور محدثاتها وهي لهم في الدنيا وهي لباس أهل النار وهي لهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك . ولا يجوز السجود لغير الله من الأحياء والأموات ولا تقبيل القبور ويعزر فاعله . ومن لعن أحدا من المسلمين عزر على ذلك تعزيرا بليغا . والمؤمن لا يكون لعانا وما أقر به من عود اللعنة عليه قال: ولا تحل الصلاة عند القبور ولا المشي عليها من الرجال والنساء ولا تعمل مساجد للصلاة فإنه ( اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) . قال: وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية فمن لعنهم عزر . وعادت اللعنة عليه فمن لعن من ليس أهلا للعنة وقعت اللعنة عليه . والعلماء أنصار فروع الدين والأشعرية أنصار أصول الدين . قال: وأما دخولهم النيران فمن لا يتمسك بالقرآن فإنه فتنة لهم ومضلة لمن يراهم كما يفتتن الناس بما يظهر على يدي الدجال فإنه من ظهر على يديه خارق فإنه يوزن بميزان الشرع فإن كان على الاستقامة كان ما ظهر على يديه كرامة ومن لم يكن على الاستقامة كان ذلك فتنة كما يظهر على يدي الدجال من إحياء الميت وما يظهر من جنته وناره . فإن الله يضل من لا خلاق له بما يظهر على يدي هؤلاء . وأما من تمسك بالشرع الشريف: فإنه لو رأى من هؤلاء من يطير في الهواء؛ أو يمشي على الماء؛ فإنه يعلم أن ذلك فتنة للعباد . انتهى . فالفقيه أبو محمد أيضا إنما منع اللعن وأمر بتعزير اللاعن لأجل ما نصروه من [ أصول الدين ] وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسنة والحديث والرد على من خالف القرآن والسنة والحديث . ولهذا كان الشيخ أبو إسحاق يقول: [ إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة ] وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد ولهذا قال أبو القاسم بن عساكر في مناقبه: [ ما زالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين حتى حدثت فتنة ] ابن القشيري ثم بعد حدوث الفتنة وقبلها لا تجد من يمدح الأشعري بمدحة؛ إلا إذا وافق السنة والحديث ولا يذمه من يذمه إلا بمخالفة السنة والحديث . وهذا إجماع من جميع هذه الطوائف على تعظيم السنة والحديث واتفاق شهاداتهم على أن الحق في ذلك . ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم ممن هو دونه . فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة كان عندهم أعظم من أتباعه والقاضي [ أبو بكر بن الباقلاني ] لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره . وأما مثل الأستاذ أبي المعالي؛ وأبي حامد؛ ونحوهما ممن خالفوا أصوله في مواضع فلا تجدهم يعظمون إلا بما وافقوا فيه السنة والحديث وأكثر ذلك تقلدوه من مذهب الشافعي في الفقه الموافق للسنة والحديث ومما ذكروه في الأصول مما يوافق السنة والحديث وما ردوه مما يخالف السنة والحديث . وبهذا القدر ينتحلون السنة وينحلونها وإلا لم يصح ذلك . وكانت الرافضة والقرامطة - علماؤها وأمراؤها - قد استظهرت في أوائل الدولة السلجوقية حتى غلبت على الشام والعراق وأخرجت الخليفة القائم ببغداد إلى تكريت وحبسوه بها في فتنة البساسيري المشهورة فجاءت بعد ذلك السلجوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق وقهروهم بخراسان وحجروهم بمصر . وكان في وقتهم من الوزراء مثل: [ نظام الملك ] ومن العلماء مثل: [ أبي المعالي الجويني ] فصاروا بما يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة بحسب ذلك . وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقوه: [ كأبي الوليد الباجي ] والقاضي [ أبي بكر بن العربي ] ونحوهما لا يعظمون إلا بموافقة السنة والحديث وأما الأكابر: مثل [ ابن حبيب ] و [ ابن سحنون ] ونحوهما؛ فلون آخر . وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل [ القدر ] و [ الإرجاء ] ونحو ذلك بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة . وكذلك ما ذكره في [ باب الصفات ] فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث لكونه يثبت في الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ويقول إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن وغيرها ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك . لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت