قال محمد بن نصر: فهذان مذهبان هما في الجملة، محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أصحاب الحديث، حكى الشالنجي إسماعيل بن سعيد: أنه سأل أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده،إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصيام، هل يكون مصرًا من كانت هذه حاله ؟ قال: هو مصر، مثل قوله: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام، ومن نحو قوله: ( لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ) ، ومن نحو قول ابن عباس في قوله: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة: 44 ] ، فقلت له: ما هذا الكفر ؟ فقال: كفر لا ينقل عن الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض، وكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه . وقال ابن أبي شيبة: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) : لا يكون مستكمل الإيمان، يكون ناقصًا من إيمانه، قال: وسألت أحمد ابن حنبل عن الإسلام والإيمان، فقال: الإيمان قول وعمل، والإسلام إقرار، قال: وبه قال أبو خيثمة،وقال ابن أبي شيبة: لا يكون الإسلام إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بإسلام .
/قلت: وقد تقدم تمام الكلام بتلازمهما وإن كان مسمى أحدهما ليس هو مسمى الآخر، وقد حكي غير واحد إجماع أهل السنة والحديث على أن الإيمان قول وعمل . قال أبو عمر ابن عبد البر في [ التمهيد ] : أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه، فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى إيمانًا، قالوا: إنما الإيمان التصديق والإقرار، ومنهم من زاد المعرفة وذكر ما احتجوا به . . . إلى أن قال:
وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي، والطبري، ومن سلك سبيلهم، فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح،مع الإخلاص بالنية الصادقة . قالوا: وكل ما يطاع اللّه ـ عز وجل ـ به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان،والإيمان يزيد بالطاعات،وينقص بالمعاصي، وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر . ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) الحديث، يريد: مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الإسلام، من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا / بتلك الأحوال، واحتج على ذلك، ثم قال: وأكثر أصحاب مالك على أن الإيمان والإسلام شيء واحد .
قال: وأما قول المعتزلة، فالإيمان عندهم جماع الطاعات، ومن قصر منها عن شيء فهو فاسق، لا مؤمن ولا كافر، وهؤلاء هم المتحققون بالاعتزال أصحاب المنزلة بين المنزلتين . . . . إلى أن قال: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وعليه جماعة أهل الآثار، والفقهاء من أهل الفتيا في الأمصار . وروى ابن القاسم عن مالك: أن الإيمان يزيد وتوقف في نقصانه . وروي عنه عبد الرزاق، ومعن بن عيسى، وابن نافع: أنه يزيد وينقص، وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث، والحمد للّه .
ثم ذكر حجج المرجئة، ثم حجج أهل السنة، ورد على الخوارج التكفير بالحدود المذكورة للعصاة في الزنا والسرقة، ونحو ذلك، وبالموارثة وبحديث عبادة: ( من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة ) ،وقال: الإيمان مراتب بعضها فوق بعض، فليس ناقص الإيمان ككامل الإيمان . قال اللّه تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال: 2 ] ،أي حقًا . ولذلك قال: { هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } [ الأنفال: 4 ] وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ـ يعني: حقًا ـ ومن هذا قوله: ( أكمل المؤمنين إيمانًا ) . ومعلوم أن هذا لا يكون أكمل حتى يكون غيره أنقص .
/وقوله: ( أوثق عرى الإيمان الحب في اللّه والبغض في اللّه ) ، وقوله: ( لا إيمان لمن لا أمانة له ) يدل على أن بعض الإيمان أوثق وأكمل من بعض، وذكر الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: ( من أحب للّه وأبغض للّه ) الحديث . وكذلك ذكر أبو عمرو الطلمنكي إجماع أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ونية وإصابة السنة . وقال أبو طالب المكي: مباني الإسلام الخمسة؛ يعني: الشهادتين، والصلوات الخمس، والزكاة، وصيام شهر رمضان، والحج . قال: وأركان الإيمان سبعة؛ يعني الخمسة المذكورة في حديث جبرائيل، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار، وكلاهما قد رويت في حديث جبريل،كما سنذكر إن شاء اللّه تعالى .
قال: والإيمان بأسماء اللّه تعالى وصفاته، والإيمان بكتب اللّه وأنبيائه، والإيمان بالملائكة والشياطين، يعني ـ واللّه أعلم ـ: الإيمان بالفرق بينهما، فإن من الناس من يجعلهما جنسًا واحدًا، لكن تختلف باختلاف الأعمال، كما يختلف الإنسان البر والفاجر، والإيمان بالجنة والنار، وأنهما قد خلقتا قبل آدم . والإيمان بالبعث بعد الموت، والإيمان بجميع أقدار اللّه خيرها وشرها وحلوها ومرها، أنها من اللّه قضاء وقدرًا ومشيئة وحكما، وأن ذلك عدل منه وحكمة بالغة، استأثر بعلم غيبها ومعنى حقائقها .