الْأَوْثَانِ مِنْهُمْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكِتَابِيَّاتُ إلَّا بِدَلَالَةٍ , أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ } وَقَالَ: { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ } فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي اللَّفْظِ . وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى شُمُولِ الِاسْمِ لِلْجَمِيعِ , وَأَنَّهُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِضَرْبٍ مِنْ التَّعْظِيمِ , أَوْ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } فَأَفْرَدَهُمَا بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمَا مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ . إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ , فَاقْتَضَى عَطْفُهُ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَكُونُوا غَيْرَهُمْ , وَأَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ مَقْصُورًا عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ عُمُومًا فِي الْجَمِيعِ , لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَى قَوْلِهِ: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } وَأَنْ لَا تُنْسَخَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى مَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالَهُمَا . فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } إنَّمَا أَرَادَ بِهِ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ } : { مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } . قِيلَ لَهُ: هَذَا خُلْفٌ مِنْ الْقَوْلِ دَالٌّ عَلَى غَبَاوَةِ قَائِلِهِ , وَالْمُحْتَجِّ بِهِ , وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الِاسْمَ إذَا أُطْلِقَ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْكُفَّارَ مِنْهُمْ , كَقَوْلِهِ { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } وَقَوْلِهِ: { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ } وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ , فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ , وَالنَّصَارَى , وَلَا يُعْقَلُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَسْلَمَ إلَّا بِتَقْيِيدِ ذِكْرِ الْإِيمَانِ , أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ بِهِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ ذَكَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ ذِكْرِهِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } , وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْمُؤْمِنَاتِ , وَقَدْ انْتَظَمَ ذَكَرُ الْمُؤْمِنَاتِ اللَّاتِي كُنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَسْلَمْنَ وَمَنْ كُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فِي الْأَصْل ; لِأَنَّهُ قَالَ: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْمُحْصَنَاتِ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ الْمَبْدُوءِ بِذِكْرِهِنَّ وَرُبَّمَا احْتَجَّ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: { أَرَادَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَهَاهُ وَقَالَ: إنَّهَا لَا تُحْصِنُك } قَالَ: فَظَاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ . فَيُقَالُ: إنَّ هَذَا حَدِيثٌ مَقْطُوعٌ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِمِثْلِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي إيجَابِ نَسْخِهِ وَلَا تَخْصِيصِهِ , وَإِنْ ثَبَتَ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ , كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِحُذَيْفَةَ تَزْوِيجَ الْيَهُودِيَّةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ ; وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: { إنَّهَا لَا تُحْصِنُك } وَنَفْيُ التَّحْصِينِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِفَسَادِ النِّكَاحِ ; لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تُحْصِنُهُ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَيَجُوزُ نِكَاحُهُمَا . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَزْوِيجِ الْكِتَابِيَّةِ الْحَرْبِيَّةِ , فَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"لَا تَحِلُّ نِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ إذَا كَانُوا حَرْبًا"قَالَ: وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } إلَى قَوْلِهِ { وَهُمْ صَاغِرُونَ } قَالَ الْحَكَمُ: فَحَدَّثْت