فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 443

يعتبر أولئك القوم أن المشاركة في المجلس التشريعي تؤدي إلى دفع الضرر عن المسلمين قدر المستطاع، فهم يدخلون تلك المجالس - الفاجرة - عملًًا بقاعدة وجوب درء الفتنة عن الأمة.

أقول وبالله التوفيق: إن هذا القول فيه مخالفة صريحة لنصوص الوحيين، الكتاب والسنة، فإن أدلة الكتاب والسنة تدل على أن رفع الضرر عن الأمة لا يكون إلا بتمسكها بالكتاب والسنة، لا بخروجها عن الكتاب والسنة ورضاها بالحلول الجزئية المنطلقة من المداهنة والركون إلى أعداء الله سبحانه، قال سبحانه: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] .

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه) . تفسير ابن كثير.

وقال الطبري رحمه الله تعالى: (وأما قوله: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} ؛ فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا، أيها المؤمنون، على طاعة الله واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه: من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم من دون المؤمنين، وغير ذلك من سائر ما نهاكم، {وتتقوا} ربكم، فتخافوا التقدم بين يديه فيما ألزمكم وأوجب عليكم من حقه وحق رسوله {لا يضركم كيدهم شيئا} ؛ أي: كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم. ويعني بـ {كيدهم} ، غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين، ومكرهم بهم ليصدوهم عن الهدى وسبيل الحق) [جامع البيان للطبري] .

فهذه الآية يبين الله سبحانه فيها، أن المؤمنين إذا صبروا على دينهم، واتقوا ربهم في ما أمرهم به، ونهاهم عنه، لن يضرهم كيد الكافرين شيئًا، و"شيء"؛ اسم جنس جاء في سياق الشرط فدل على عموم، أي لن يضر كيد الكافرين المؤمنين لا بقليل ولا بكثير، ومفهوم المخالفة، أن كيد الكافرين يصيب المؤمنين إذا تخلوا عن الصبر والتقوى.

وقال سبحانه: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .

قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (أي؛ تسلطا واستيلاء عليهم، بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولا يزال الله يحدث من أسباب النصر للمؤمنين، ودفع لتسلط الكافرين، ما هو مشهود بالعيان. حتى إن"بعض"المسلمين الذين تحكمهم الطوائف الكافرة، قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم ولا يكونون مستصغرين عندهم، بل لهم العز التام من الله، فله الحمد أولا وأخرًا، وظاهرا وباطنا) . أهـ تفسير السعدي.

والقول في هذه الآية، كالقول في الآية قبلها، فإن {سبيلا} ؛ اسم جنس نكرة جاء في سياق النفي فدل على عموم، أي لن يكون هنالك من سبيل للكافرين على المؤمنين، وهذا مع الإيمان الصحيح، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا) .

فالحديث صريح الدلالة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل ربه ألا يسلط على أمته عدوًا مما سوى أنفسهم، فاستجاب المولى سبحانه دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعصم أمة نبيه من تسلط الأعداء عليها حتى يكون ذلك بسبب ذنوبها وغفلتها كما قال سبحانه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (يقول تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة} ؛ وهي ما أصيب منهم يوم أحُد من قتلى السبعين منهم، {قد أصبتم مثليها} ؛ يعني يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا، وأسروا سبعين أسيرًا، {قلتم أنى هذا} ؛ أي من أين جرى علينا هذا؟ {قل هو من عند أنفسكم} .

عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل اللّه {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم} ، بأخذكم الفداء [رواه ابن أبي حاتم] .

وهكذا قال الحسن البصري وقوله (قل هو من عند أنفسكم) أي بسبب عصيانكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة، {إن اللّه على كل شيء قدير} ؛ أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه). أهـ تفسير ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت