فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 443

ففي مجال الاعتقاد تشبه بعض المسلمين باليهود والنصارى، ففعلوا مثل فعلهم في أنبيائهم وصالحيهم فعظموهم إلى درجة أن أعطوهم خصائص الربوبية والعياذ بالله، فبينت القباب والمشاهد على أضرحة وقبور الصالحين واتخذوها مزارات ومساجد وأعيادًا، ورسول الله قد حذرنا من ذلك وهو في سكرات الموت كان يشتد نكيره على من فعل ذلك، فعن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله قال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد، قالت: يحذر ما صنعوا، ولو لا ذلك أبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا) متفق عليه. وقد وقع ما أخبر عنه رسول الله، فأقام بعض المسلمين المزارات للأولياء وبنوا عليها القباب والمشاهد والمساجد واتخذوها أماكن عبادة، وكل هذا من مظاهر موالاة المشركين.

ومن مظاهر موالاة المشركين تنحية شرع الله وتحكيم القانون الوضعي اللعين والدستور الكفري المستبين اقتداء باليهود والنصارى والمشركين والله - سبحانه وتعالى - يقول: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة] .

ومن مظاهر موالاة المشركين أيضًا الإعجاب بالكفار وتقليدهم في الملبس والمظهر والتزين بزيهم ورسوله الله يقول: (ومن تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي هريرة.

ومن مظاهر موالاة المشركين أيضًا: الاحتفال بأعيادهم، والعيد مظهر ديني كما قال - تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكًا} [الحج] . أي عيدًا، فنحن معشر المسلمين لا عيد لنا إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، أما الأعياد التي تسمى بأعياد الثورة والأعياد الوطنية ونحوها فكلها من مظاهر التشبه بالكفار، ولا يجوز الاحتفال بتلك الأعياد، وقد وصف الله - سبحانه وتعالى - عباد الرحمن بقوله: {والذين لا يشهدون الزور إذا مروا باللغو مروا كرامًا} [الفرقان] .

قال مجاهد وقتادة (لا يشهدون الزور) أي لا يحضرون أعياد الكفار. وذلك أن الاحتفال بأعيادهم من مظاهر موالاتهم، وهو يخدش في أصول الدين والتوحيد والإيمان، والمحتفلون بأعياد الكفار معجبون بهم، وقد نهى الله - سبحانه وتعالى - عن الإعجاب بالكفار فقال - تعالى: {ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة] .

فالواجب على المسلم أن يحذر ذلك ويتعاهد إيمانه ويجرد التوحيد لله ويوالي في الله ويعادي في الله ويحب في الله ويبغض في الله.

أسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يحفظنا في ديننا ويجنبنا الزيغ والزلل والضلال وادعوا الله استغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

إن اتباع اليهود والنصارى والإقتداء بهم في العادات والتقاليد أمر شائع بين المسلمين، وهو مظهر من مظاهر موالاتهم التي نهينا عنها، فنرى اليهود موجة عارمة من مظاهر الإقتداء باليهود والنصارى في المأكل والمشرب وفي الملبس والمظهر، وهذا يهدد شخصية المسلم بالمسخ ويجعلها معجبة بالكفار، وهذا الإعجاب يؤدي بالمسلمين إلى الميل إليهم ظاهرًا. والميل ظاهرًا سيؤول بالمسلمين إلى الميل إليهم باطنًا، وهذا أمر معلوم لمن وفقه الله لذلك الفهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أيها المسلمون: شتان بيننا وبين أصحاب رسول الله الذين اعتزوا بهذا الدين وحده فلم يتشبهوا باليهود والنصارى، لا في النقير ولا في القطمير، بل كانوا يخالفونهم تدينًا كما كان رسول الله يعجبه مخالفتهم في كل شيء قطعًا لذريعة الفساد وحسمًا لمادة الشر، وبهذه التربية الإيمانية التي تلقوها عن رسول الله تشبعوا بروح العزة الإيمانية فلم يعجبوا بالكفار بل كانوا ينظرون إليهم نظرة احتقار وازدراء لا نظرة إعجاب وإجلال ممتثلين قوله - تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران] .

ولنأخذ موقفًا من تلك المواقف المشرفة التي سجلها لنا التاريخ الإسلام بأحرف من نور. موقف ربعي بن عامر مع قائد الجيش الفارسي رستم، لما قال رستم لربعي: ما الذي دعاكم إلى حربنا والولوغ بديارنا قال ربعي: الله ابتعثنا لنخرج من يشاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ثم التفت إلى يمين رستم وإلى شماله فرأى جيشًا مصطفا راكعًا خاعًا ذليلًا مهانًا فقال: لقد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، وما أرى والله قومًا أسفه منكم، إننا معاشر المسلمين لا يستعبد بعضنا بعضًا، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب لبعض. فالتفت الدهماء إلى بعضهم البعض يتهامسون وهم يقولون: صدق والله العربي. أما القادة والرؤساء فقد وجدوا في كلام ربعي هذا ما يشبه الصاعقة أصابت كيانهم فحطمته حتى قال أحد أفراد بلاط رستم: لقد رمى هذا العربي بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه.

إنها عزة الإسلام وكرامة الإيمان.

هذا هو الفارق بيننا وبين أولئك.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المحارب

إن الواجب على المسلمين أن يقتدوا بنبيهم ويتمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم ويوالوا في الله ويعادوا فيه ويحبوا في الله ويبغضوا فيه، ولا يعجبوا بالكفار ولا يقتدوا بهم، فإن ذلك مما يناقض التوحيد والإيمان.

والأمة الإسلامية ما ذلت ولا هانت إلا حين اتبعت أبناء القردة والخنازير وتشبهت بهم في الهدي الظاهر والباطن، حتى أصبح المسلم ضعيف الإرادة ذليلًا مهانًا محتقرًا من علوج الروم وأبناء المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى.

فيا عباد الله: لا عزلنا إلا بالإسلام، ولا كرامة لنا إلا بهذا الدين، فإن عزنا وكرامتنا إنما يكون بالإسلام لا بغيره، فنقول كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب:"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله أذلنا الله"،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت