ومن أصول أهل السنة: أن من لم يكفر الكافرين أو يشك في كفرهم أو يتبرأ منهم فقد كفر. ولقد عاتب الله بعض المؤمنين لموالاتهم ونصحهم للمشركين، ذكر ابن إسحاق في السيرة عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: لما أجمع الرسول صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة لفتحها أخفى الأمر فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهلها يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم ثم أعطاه امرأة من مزينة، مولاةً لبني عبد المطلب، وجعل لها جُعلًا على أن تبلّغه المشركين فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه شعرها وخرجت به وأتى رسول الله الخبر من الله بما صنع حاطب، فبعث عليًا والزبير وقال لهما: (( أدركا امرأة قد كتب معها حاطب كتابًا إلى مكة يحذّرهم ما قد أجمعنا لهم من أمرنا ) ). فخرجا حتى أدركا المرأة بالحليفة فاستنزلاها واستخرجا الكتاب من عقاصها فأتيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا حاطبًا وقال له: (( يا حاطب! ما حملك على ما صنعت؟ ) ). قال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، ما غيّرت ولا بدّلت، ولكني كنت امرءً ليس لي في القوم من أهل وعشيرة وكان لي بين أظهرهم ولدٌ وأهلٌ أخشى عليهم، فصانعتهم من أجلهم. فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ). فأنزل الله تعالى قوله: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ الْحَقّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة:1] . روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر والتقوا فهزم الله المشركين فقُتل منهم سبعون رجلًا وأُسر منهم سبعون، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليًا، فقال أبو بكر: يا نبي الله! هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، فأنا أرى أن تأخذ منهم الفداء، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عضدًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما ترى يا ابن الخطاب؟ ) )فقال: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان ـ قريب لعمر ـ فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر، فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: غدوتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء، ولقد عُرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة ) )ـ لشجرة قريبة ـ وأنزل الله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:67، 68] ، أي من الفداء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن كان ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل عذاب ما أُفلت إلا عمر ) ).
فأين هذا مما يفعله كثير من المسلمين من موالاة أعداء الأمة والسعي في مصالحهم بل ومحاربة أبناء جلدته من المسلمين.
لقد ضيع فئام من المسلمين هذا الأصل العظيم مع شديد الأسف وجهِلوا مفهومه واتخذوا الكفار واليهود والنصارى أولياء، إخوانًا وأصدقاء، ناهيكم عباد الله عما يقع في مجتمعات المسلمين من تضييع أسس هذا الجانب العقدي والتفريط فيه، فتجد من يوالي المنافقين العلمانيين ويبادلهم المحبة بحجّة داحضة وهي زعمهم: إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا.
أين الولاء والبراء مما عليه كثير من المسلمين لا سيما أبناؤهم من التشبه بالكفرة والملحدين في لباسهم وميوعتهم وكلامهم وأخلاقهم، مما يؤكد على الحب لهم، وهذا يورث نوعًا من التبعية لهم، فمن تشبه بقوم فهم منهم.
أين الولاء والبراء ممن يُعينهم ويُناصرهم على المسلمين بأيّ وسيلة كانت، بل ويمدحهم ويذب عنهم؟ وهذا من أسباب الردة ونواقض الإسلام عياذًا بالله.
أين الولاء والبراء ممن يستعين بهم من دون المؤمنين ويثق بهم ويوليهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين ويتخذهم بطانة ومستشارين؟ وقد قال الله سبحانه وتعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْواهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَاتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118] .
أين الولاء والبراء أيها المسلمون ممن يستقدمون الكفرة إلى بلاد المسلمين ويجعلونهم عمالًا وسائقين ومربين في البيوت ويتركون المسلمين المحتاجين دون عملٍ أو صناعة؟
أين الولاء والبراء ممن يشاركونهم في أعيادهم ومناسباتهم وتهنئتهم بها ويمدحونهم ويشيدون بما هم عليه من مدنية وحضارة ويُعجبون بأخلاقهم ومهاراتهم دون نظرٍ إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد؟