-يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات: نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعدهم على ذلك فقال تعالى: (ومن يفعل ذلك ليس من اللّه في شيء) أي ومن يرتكب نهي اللّه من هذا فقد برِئَ من اللّه، كما قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة - إلى أن قال - ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ) . وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانًا مبينًا ) ، وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم) الآية. وقوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) ، أي إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء إنه قال: ( إنَّا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم) وقال الثوري، قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، ويؤيده قول اللّه تعالى: ( من كفر باللّه من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) الآية. ثم قال تعالى: ( ويحذركم اللّه نفسه ) أي يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته، وعذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه، ثم قال تعالى: ( وإلى اللّه المصير) أي إليه المرجع والمنقلب ليجازى كل عامل بعمله. أ هـ تفسير ابن كثير
-قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في حكم موالاة الكافرين ما نصه: فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية، فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد. والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) ، وقال تعالى فيما يذم به أهل الكتاب: ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون * ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون) .
-فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم. وقال سبحانه وتعالى: ( لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يوادّ كافرًا فمن وادّ الكفار فليس بمؤمن، فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة كما تقدم تقرير مثل ذلك) اقتضاء الصراط المستقيم ج1 ص221- 222
-وقال رحمه الله تعالى أيضًا: والمؤمن عليه أن يعادى في الله، ويوالى في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه، وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون أخوة..) ، فجعلهم أخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم.
-فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فان الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه.
-وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة. (مجموع الفتاوى ج28 ص207- 209) .
-ما يستفاد من الآيات الكريمة الدالة على حرمة موالاة الكافرين:
1: حرمة الموالاة بين المؤمنين والكافرين.
2: أن الذين يتولون الكافرين من المؤمنين، ليسوا من الله في شيء.
3: أن الذين في قلوبهم مرض أي نفاق، هم الذين يتولون الكافرين.
4: أن الذين يتولون الكافرين من دون الله، موصوفون بالظلم، وهم الذين نفى الله الإيمان عنهم.
5: أن من يتولى الكافرين من دون المؤمنين له عذاب عظيم.
6: أن الذين يتولون الكافرين من دون المؤمنين من جنس الكافرين.
7: أن من يفعل ذلك سوف يندم ندمًا شديدًا على سوء فعله في الدنيا والآخرة.
-وعليه لا يكون المؤمن مؤمنًا إلا أن يكون متبرئ من الكافرين، وهذا التبرؤ ليس متعلقًا بأشخاص تعلقًا مجردًا، بل بسبب ما يقوم به هؤلاء الأشخاص من مخالفة ومعاداة لله ورسوله.
-من لوازم الولاء: