فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 443

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: يقول تعالى: ( أم حسبتم أن تدخلو الجنة) قبل أن تُبتلوا وتُختبروا وتُمتحنوا، كما فُعل بالذين من قبلكم من الأمم ولهذا قال: ( ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ) وهي الأمراض والأسقام والآلام، والمصائب والنوائب. قال ابن مسعود: ( البأساء) الفقر، ( الضراء) السقم، ( وزلزلوا) خُوِّفوا من الأعداء زلزالًا شديدًا وامتُحنوا امتحانًا عظيمًا، كما جاء في الحديث عن خباب بن الأرت قال: قلنا يا رسول اللّه ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا فقال: (إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه) ، ثم قال: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون) رواه البخاري.

وقال تعالى: ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي اللّه تعالى عنهم في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى: ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدا ) ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه قال: نعم، قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالًا يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة.

وقوله تعالى: ( مثل الذين خلوا من قبلكم) أي سنتهم كما قال تعالى: ( فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين) وقوله: ( وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة. قال الله تعالى: ( ألا إن نصر اللّه قريب) ، كما قال: ( فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرا) وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها ولهذا قال: ( ألا إن نصر الله قريب) .أهـ تفسير ابن كثير

النصر يحتاج إلى صبر وعزيمة وثبات ، ولكن لا بد أن يحقق المسلمون الصادقون ما سعوا إلى تحقيقه، فهذا وعد الله سبحانه لهم قال سبحانه: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) . (55) النور

وقال الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) . الآية، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين، يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له سرا وهم خائفون، لا يؤمرون بالقتال، حتى أُمِروا بعد بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فغيروا بذلك ما شاء الله. ثم إن رجلًا من أصحابه قال: يا رسول الله، أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا فيه السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لن تغبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة ) . وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله، عز وجل، قبض نبيه صلى الله عليه وسلم فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا، فأدخل الله عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشُرَط وغيروا، فغير بهم. أهـ تفسير ابن كثير.

يقول الإمام الطبري رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ منكم ) أيها الناس، ( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول: وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ ) يقول: ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها ( كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) يقول: كما فعل منْ قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم، وجعلهم ملوكها وسكانها ( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ) يقول: وليوطئنّ لهم دينهم، يعني: ملتهم التي ارتضاها لهم، فأمرهم بها. وقيل: وعد الله الذين آمنوا، ثم تلقى ذلك بجواب اليمين بقوله: ( ليستخلفنهم ) لأن الوعد قول يصلح فيه ( أن ) ، وجواب اليمين كقوله: وعدتك أن أكرمك، ووعدتك لأكرمنك. جامع البيان.

روى البخاري في صحيحه وأبو دواد وأحمد والطبري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يارسول الله؟ ألا تستنصر لنا ربك؟ قال: فجلس وكان متكئًا على برد له في ظل الكعبة وقال: ( كان ممن كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له ويدفن إلى قامته، ويشق بمنشار الحديد فلقتين ويمشط ما بين لحمه وعظمه وعصبه بأمشاط الحديد ولا يثنيه ذلك عن دينه شيئًا والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت