سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن الحبّ في الله ، فقال: « ألاَّ تحبه
لطمع في دنياه » [17] .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « من أحب إنسانًا لكونه يعطيه فما
أحب إلا العطاء ، ومن قال إنه يحب من يعطيه لله فهذا كذب ومحال وزور من
القول ، وكذلك من أحب إنسانًا لكونه ينصره إنما أحبّ النصر لا الناصر ، وهذا كله
من اتباع ما تهوى الأنفس ؛ فإنه لم يحبّ في الحقيقة إلا ما يصل إليه من جلب
منفعة أو دفع مضرة ؛ فهو إنما أحبّ تلك المنفعة ودفع المضرة ، وإنما أحبّ ذلك
لكونه وسيلة إلى محبوبه وليس هذا حبًا لله ولا لذات المحبوب .
وعلى هذا تجري عامة محبة الخلق بعضهم مع بعض ، وهذا لا يثابون عليه
في الآخرة ولا ينفعهم ؛ بل ربما أدى ذلك إلى النفاق والمداهنة ؛ فكانوا في الآخرة
من الأخلاَّء الذين بعضهم لبعض عدو إلا المتقين .
وإنما ينفعهم في الآخرة الحبّ في الله ولله وحده ، وأما من يرجو النفع
والنصر من شخص ثم يزعم أنه يحبه لله فهذا من دسائس النفوس » [18] .
ومما يجدر تقريره أن هذه الوشائج الإيمانية تبقى أو تدوم ؛ لأن الولاء والبراء
يراد به وجه الله تعالى ، والله تعالى هو الآخر ليس بعده شيء فلا يفنى ولا يبيد ؛
بخلاف الصِّلات التي ليست لله تعالى ؛ فسرعان ما تنقلب إلى عداوات في الدنيا
والآخرة .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: « من أحبّ في الله ، وأبغض في الله ،
ووالى في الله ، وعادى في الله ؛ فإنما تُنال ولاية الله بذلك ، ولن يجد عبدٌ طعم
الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك ، وقد صارت عامة مؤاخاة
الناس على أمر الدنيا ؛ وذلك لا يجدي على أهله شيئًا » [19] .
وقال ابن تيمية: « والناس إذا تعاونوا على الإثم والعدوان أبغض بعضهم
بعضًا ، وإن كانوا فعلوه بتراضيهم ، قال طاووس: ما اجتمع رجلان على غير
ذات الله إلا تفرقا عن تَقَالٍ ( بغضاء ) ، وقال الخليل عليه السلام:[ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم
مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ
وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ] ( العنكبوت: 25 ) .
وهؤلاء لا يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضًا لمجرد كونه عصى الله ، بل
لما حصل له بمشاركته ومعاونته من الضرر » [20] .
ومما قاله ابن القيم في هذا المقام: « كل من اتخذ من دون الله ورسوله وليجة
وأولياء ، يوالي لهم ويعادي لهم ، ويرضى لهم ويغضب لهم ، فإن أعماله كلها باطلة
يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه ؛ إذ لم يجرد
موالاته ومعاداته ، ومحبته ، وبغضه ، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله ؛ فأبطل الله
عز وجل ذلك العمل كله ، وقطع تلك الأسباب ، فينقطع يوم القيامة كل سبب وصلة
ووسيلة ومودة وموالاة كانت لغير الله تعالى » [21] .
ونختم هذه المقالة بالجواب عما يظنه بعضهم أن تحقيق الولاء والبراء قد
يؤدي إلى نفور الكفار عن الإسلام ؛ وليس الأمر كذلك ؛ فإن الله تعالى هو أرحم
الراحمين ، وهو سبحانه أحكم الحاكمين ؛ حيث شرع بغض الكفار وعداوتهم[ أَلاَ
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ] ( الملك: 14 ) ، فلا يتوهم أن تحقيق شعيرة
البراءة من الكافرين يؤول إلى مجانبة الإسلام ، بل إن الالتزام بهذه الشعيرة وسائر
شرائع الإسلام سبب في ظهور الإسلام وقبوله ، كما وقع في القرون المفضلة ، ومن
ذلك أن اليهود خافت وذلت من يوم قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد محمد بن
مسلمة رضي الله عنه [22] .
ويقول ابن تيمية: « وكان عدد من المشركين يكفُّون عن أشياء مما يؤذي
المسلمين خشية هجاء حسان بن ثابت ؛ حتى إن كعب بن الأشرف لما ذهب إلى
مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان بقصيدة ، فيخرجونه من عندهم ،
حتى لم يبق بمكة من يؤويه » [23] .
وجاء في سيرة ابن هشام: « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » من
ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه « [24] ، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سُنَيْنَة
رجل من تجار اليهود يبايعهم فقتله ، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يُسلم ،
وكان أسنّ من محيصة ، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله !
أقتلته ؟ أما والله لربّ شحم في بطنك من ماله ، قال محيصة: والله ! لقد أمرني
بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك ، قال: فوالله إن كان لأول إسلام حويصة ،
قال: آلله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني ؟ قال: نعم ! والله لو أمرني بضرب
عنقك لضربتها ، قال: والله إن دينًا بلغ بك هذا لعجب . فأسلم حويصة » [25] .
وها هم الكثير من بني جلدتنا قد ارتموا في أحضان الكفار ، وتنازلوا عن
دينهم مداهنة لأعداء الله تعالى ؛ فما زاد الكفار إلا عتوًا ونفورًا عن الإسلام ،
واستخفافًا وامتهانًا للمنتسبين له .
ولما عمد علماء السوء إلى تحليل ما حرم الله تعالى بأدنى الحيل كان ذلك
سببًا في الصدّ عن دين الله تعالى ، وامتناع الكثيرين من الدخول فيه ، كما بينه ابن
القيم رحمه الله [26] .
بل إن المشركين ، وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم بالإسلام عظموه
وأكرموه [27] .
يقول ابن تيمية: « مثل الآصار والأغلال التي على أهل الكتاب وإذلال
المسلمين لهم ، وأخذ الجزية منهم ، فهذا قد يكون داعيًا له أن ينظر في اعتقاده:
هل هو حق أو باطل ؟ حتى يتبين له الحق ، وقد يكون مرغبًا له في اعتقاد يخرج
به من هذا البلاء ، وكذلك قهر المسلمين عدوهم بالأسر يدعوهم للنظر في محاسن
الإسلام » [28] .
(*) أستاذ مساعد في قسم العقيدة ، كلية أصول الدين ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .