فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 248

من فاته رمضان فهل عليه قضاء؟ ومتى يجب؟

يقول الدكتور عبد الكريم زيدان أستاذ الشريعة الإسلامية ورئيس قسمها في كلية الحقوق بجامعة بغداد سابقًا

* دليل وجوب القضاء:

والدليل على أصل وجوب القضاء قوله تعالى: ]فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر [، ولأن الأصل في العبادة الموقتة أي التي لها وقت مخصوص مثل صيام رمضان ، أنها إذا فاتت عن وقتها أن تُقضى وهذا سواء فاته صيام رمضان أو أيام منه لعذر أو لغير عذر، لأنه لما وجب القضاء على المعذور، فلئن يجب على المقصر غير المعذور في فطره أولى، ولأن المعنى يجمعهما وهو الحاجة إلى جبر الفائت، بل حاجة غير المعذور أشد. ["البدائع"، ج2، ص103] .

* وقت القضاء:

أما وقت القضاء فهو سائر الأيام خارج رمضان سوى الأيام المنهي عن الصيام فيها على ما سنذكره فيما بعد، ودليل ذلك قوله تعالى: ]فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر.. [ ووجه الدلالة بهذه الآية الكريمة أن الله تعالى أمر بالقضاء مطلقًا عن وقت معين، فلا يجوز تقييده ببعض الأوقات إلا بدليل، ولا دليل هنا. وأيضًا فإن الأمر بالقضاء هو على التراخي وليس على الفور. وما قلناه هو مذهب الحنفية. وقد ترتب على ذلك في مذهبهم جواز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر، وليس عليه شيء إلا القضاء سواء كان التأخير لعذر أو لغير عذر ["البدائع"، ج2، ص103 104] .

وقال الحنابلة: وقت القضاء مؤقت بما بين رمضانين، فمن فاته شيء من رمضان أن يقضيه في هذا الوقت ما لم يدخل رمضان آخر، لقول عائشة رضي الله عنها:"كان يكون علىَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان"["اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان"، ج2، ص18، وجاء في"التاج الجامع للأصول لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم"ج2، ص77 عن عائشة:"أن كانت إحدانا لتفطر في رمضان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان"و"سنن أبي داود"، ج7، ص32.

فلا يجوز له تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان آخر من غير عذر؛ لأن عائشة رضي الله عنها لم تؤخره إلى ذلك الوقت ولو جاز التأخير لأخرته؛ ولأن الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخير الأولى عن الثانية، فإن أخره عن رمضان آخر، نظرنا: فإن كان لعذر فليس عليه إلا القضاء، وإن كان لغير عذر فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، وبهذا قال ابن عباس، وابن تعمر، وأبو هريرة، ومجاهد ، وسعيد بن جبير، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق.

وقال الحسن، والنخعي، وأبو حنيفة: لا فدية عليه لأنه صوم واجب فلم يجب عليه في تأخيره فدية؛ لأن الفدية تجب خلفًا عن الصوم عند العجز عن تحصيله عجزًا لا ترجى معه القدرة عادة على الصيام ، كما في حق الشيخ الفاني ولم يوجد العجز؛ لنه قادر على القضاء فلا معنى لإيجاب الفدية عليه مع القضاء. ["الغنى"، ج3، ص144 145،"المجموع"، ج6، ص420 421،"البدائع"، ج2،ص103]

تأخير قضاء الصوم

من أخر القضاء هل عليه فدية؟

يجيب فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا:

جمهور العلماء يوجب فدية على من أخر قضاء ما فاته من رمضان حتى دخل رمضان الذي بعده، وتتأكد هذه الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم بما يكفيه غداء وعشاء إذا كان تأخير القضاء لغير عذر، واستدلوا على هذا الحكم بحديث موقوف على أبي هريرة؛ أي أنه من كلامه هو، ونسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي رفعه إليه ضعيف، كما أن هذا الحكم مروي عن ستة من الصحابة ولم ير يحيى بن أكثم مخالفًا لهم، منهم ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا فدية مع القضاء، وذلك لأن الله تعالى قال في شأن المرضي والمسافرين: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ولم يأمر بفدية، والحديث المروي في وجوبها ضعيف لا يؤخذ به.

قال الشوكاني منتصرا لهذا الرأي: ليس هناك حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وأقوال الصحابة لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالتكاليف حتى يقوم الدليل الناقل عنها، ولا دليل هنا، فالظاهر عدم الوجوب.

وقال الشافعي: إن كان تأخير القضاء لعذر فلا فدية وإلا وجبت، وهذا الرأي وسط بين الرأيين السابقين، لكن الحديث الضعيف أو الموقوف الوارد في مشروعية الكفارة لم يفرق بين العذر وعدمه. ولعل القول بهذا الرأي يريح النفس لمراعاته للخلاف بصورة من الصور، ثم إن قضاء رمضان واجب على التراخي، وليس على الفور وإن كان الأفضل التعجيل به عند الاستطاعة، فدَين الله أحق بالقضاء العاجل، وثبت في صحيح مسلم ومسند أحمد أن عائشة رضي الله عنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان ولم تكن تقضيه فورًا عند قدرتها على القضاء.

ولا يلزم في القضاء التتابع والموالاة، فقد روى الدار قطني عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قضاء رمضان: (إن شاء فرق وإن شاء تابع)

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت