فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 248

أيها المسلمون، صيام شهر رمضان أحد أركان الإسلام، (( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام ) ) (1) [1] . وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا قطعيًا لا شك فيه، فمن أنكر وجوب الصيام، أو شك في وجوب الصيام، من أنكر صيام رمضان أو شك في فرضية صيام رمضان، فذاك غير مسلم، مرتدّ عن دينه والعياذ بالله.

فرض الله صيام رمضان على أمة الإسلام، في العام الثاني من الهجرة، فصام محمد تسع رمضانات، قال تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين، السامعين المستجيبين، المنقادين لشرع الله: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُوداتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:183، 184] ، هذا الخطاب لأهل الإسلام، ليبين لهم وجوب صيام رمضان، وأنه كُتب وفُرض عليهم كما كُتب على من قبلهم لكونه عبادة محبوبة إلى الله، دالة على الإخلاص الحقيقي لله، فتعبّد الله به من قبلنا، وتعبدنا به جل وعلا.

ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، يبين تعالى حكمته من فرض صيام رمضان على أمة الإسلام قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أي أنكم تنالون بالصيام التقوى، ويتحقق لكم بصيامكم رمضان تقوى الله جل وعلا، كيف يكون ذلك؟ نعم، يكون ذلك بأن المسلم يتعبّد لله بترك الطعام والشراب، ومواقعة النساء، وتلك من الأمور المحببة إليه، المغروس حبّها في نفسه، يتركها طاعة لله، مع ميل النفس وحبها لها، لكنه يترك ذلك طاعة لله، وعبادةً يتقرب بها إلى الله، فيحصل الخضوع والطاعة لرب العالمين.

إن الصائم يتعبد بالصيام لله فيما بينه وبين الله، فيكون في بيته، امرأته بجواره، والطعام والماء قريب، وفي موضع لا يعلمه إلا الله، لكنه يترك ذلك طاعة لله، يعلم أن الله يرضى منه ترك المشتهيات، فيدعها طاعةً لربه، ويعلم أن الله مراقب عليه، وعالم بسره وعلانيته، الَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:218-220] ، باستطاعته أن يأكل ويشرب، ويأتي امرأته، ويكذب على المسلمين، وما كأنه فعل شيئًا، ومن يعلم الغيب إلا الله، لكن ما في قلبه من خوف الله، وعلمه باطّلاع الله عليه، كافٍ في ترك تلك المشتهيات، طاعةً لله، وقربة يتقرب بها إلى الله.

إن النعم لا تعرف إلا بفقدها، الصائم عندما يشتد به الظمأ، ويؤلمه الجوع، يعرف قدر نعمة الله عليه، هو الآن في شدة الجوع والعطش، والماء والطعام قريب منه، لكن السبب في تركه طاعة الله، فيعرف عند ذلك قدر نعم الله عند فقدها، فيزداد شكرًا لله، وثناءً عليه بما متّعه بهذه النعم في كل عامِه.

إنه يتذكر أناسًا فقراء ومعوزين، يمرّ بهم الشهر وهم في العراء والجوع وقلة المؤونة، فيؤدي به ذلك إلى مواساتهم، وتضميد جروحهم.

إن قلبه عندما يقل تناول الشهوات يعظم تفكيره، ويكثر اتعاظه واعتباره، فالقلب عندما تقل الشهوات، يعظم فيه الفكر والتفكّر والتدبر في آلاء الله، فيزداد إيمانًا ويقينًا، إنها عبادة لله.

أيها المسلم، إن إدراكك رمضان نعمة من الله عليك، فاشكر الله أن بلّغك رمضان، واسأله أن يمدّك بعونه وتأييده لأن تصومه وتقوم ليله، طاعةً لله، وإخلاصًا لله، كان سلفكم الصالح يدعون الله قائلين: (اللهم سلمنا لرمضان، وسلّم لنا رمضان، وتسلّم منا رمضان متقبلًا) (2) [2] .

أيها المسلمون، لهذا الشهر العظيم خصائص عظيمة، تفضل الله بها علينا، فمنها أن صيامه وقيامه سبب لمغفرة ما مضى من الذنوب، يقول: (( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) ) (3) [3] .

وكان يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة ثم يقول: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) ) (4) [4] .

وأخبر أن الله خصّ هذه الأمة في هذا الشهر بخصائص خمس لم تكن للأمم قبلهم، فقال: (( أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، تستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، يزيّن الله جنته كل ليلة، ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يصيروا إليك، تُصفّد فيه مردة الجن، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، يغفر لهم في آخر ليلة ) )قيل: أليلة القدر؟ قال: (( لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله ) ) (5) [5] .

من خصائص هذا الشهر ما بيّنه بقوله: (( إذا كان أول ليلة من رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسُلسلت الشياطين ) ) (6) [6] .

أيها المسلم، من خصائص هذا الشهر ما بيَّنه بقوله، لما أهل رمضان: (( أتاكم شهر رمضان، ما مرّ بالمسلمين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أن يُدخله، ويكتب إصره وشقاءه قبل أن يُدخله، وذلك أن المؤمن يُعد فيه القوت للعبادة، ويُعد فيه الفاجر اغتنام غفلات المسلمين، وتتبع غفلاتهم ) ) (7) [7] .

وبين من خصائص هذا الشهر بقوله: (( من صام رمضان وتحفّظ مما ينبغي التحفظ منه كفّر ما كان قبله ) ) (8) [8] ، هو شهر يباهي الله بعباده ملائكته يقول يومًا: (( أتاكم رمضان شهر خير وبركة، يغشاكم الله فيه، فينزل السكينة، وينزل الرحمة، ويحط الخطيئة، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله ) ) (9) [9] .

أيها المسلم، أقبل رمضان فعلى أي شيء العزم؟ هل على نية طيبة وتوبة نصوح، وعزيمة صادقة، وتنافس في صالح العمل؟ إنه شهر في السنة كلها، فاغتنم أيامه ولياليه، واستعن بالله على ذلك، وكن مجتهدًا، وكن صادق العزيمة، صادق التوبة، قويَّ الرغبة في هذا الشهر، فرِحًا به، مستبشرًا به، مستأنسًا به، ترجو أن يكون لك فيه نصيب عند ربك، بتوبة نصوح، ودعوات مرفوعة إلى الله، وإقلاع من الخطأ، وعزيمة على الاستمرار في الطاعة، ورجاء من الله أن يحقق لك ما وعد به الصائمين، وما ذاك على الله بعزيز.

فاستقيموا على طاعة ربكم، واسألوا الله إذ قربكم من هذا الشهر أن يبلغنا جميعًا صيامه وقيامه، وأن يجعل لنا فيه حظًا ونصيبًا، وأن يعيننا فيه على كل خير، وأن يعيذنا فيه من نزغات الشيطان.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن نبيكم إذا أقبل رمضان بشّر به المسلمين، وهنَّأهم بمقدمه، وبين لهم فضائله وخصائصه، يدعوهم إلى الجد والنشاط فيه، يدعوهم إلى التسابق لفعل الخير، قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: خطبنا رسول الله في آخر يوم من شعبان فقال: (( أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فيه فريضة، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه، من فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له من الأجر مثل أجورهم، من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيء ) )قالوا: يا رسول الله، ليس كل منا يجد ما يفطر الصائم ؟ قال: (( يعطي الله هذا الثواب من فطّر صائمًا على تمرة، أو شربة ماء، أو مذقة لبن، وهو شهر أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، من خفف فيه عن مملوكه غفر الله له، وأعتقه من النار، ومن سقى فيه صائمًا شربة سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتستعيذون به من النار ) ) (10) [1] .

فارغبوا - عباد الله - فيما عند الله من الثواب، واغتنموا أيامه ولياليه، وحافظوا على صلاة التراويح فيه، ولا تخلّوا بها ما دام المسلم في صحة وسلامة من بدنه، فليحمد الله على هذه النعمة، وليؤدِّ شكرها بطاعة الله، والتقرب إليه بما يرضيه.

واعلموا رحمكم الله أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ...

(1) أخرجه البخاري في الإيمان ، باب: بني الإسلام على خمس (8) ، ومسلم في الإيمان ، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام (16) من حديث ابن عمر بنحوه.

(2) روي عن علي كما في مسند الفردوس (1/483) بنحوه.

(3) أخرجه البخاري في الصوم ، باب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية (1901) واللفظ له ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في قيام رمضان (760) من حديث أبي هريرة.

(4) أخرجه البخاري في الإيمان ، باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان (37) ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها ، باب: الترغيب في قيام رمضان (759) من حديث أبي هريرة.

(5) أخرجه أحمد (2/292) ، والبزار (1/458- كشف الأستار) ، ومحمد بن نصر في قيام رمضان (ص112) ، والبيهقي في الشعب (3602) ، وقال البزار:"لا نعلمه عن أبي هريرة مرفوعًا إلا بهذا الإسناد ، وهشام بصري يقال له: هشام بن زياد أبو المقدام ، حدث عنه جماعة من أهل العلم وليس هو بالقوي في الحديث"، وقال الهيثمي في المجمع (3/140) :"رواه أحمد والبزار ، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام وهو ضعيف". وقال الألباني في ضعيف الترغيب (1/294) :"ضعيف جدًا".

(6) أخرجه البخاري في بدء الخلق ، باب: صفة إبليس وجنوده (3277) ، ومسلم في الصيام ، باب: فضل شهر رمضان (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.

(7) أخرجه أحمد (2/374) وابن خزيمة (3/188) ، والطبراني في الأوسط (9/21) من حديث أبي هريرة، قال الهيثمي في المجمع (3/141) :"رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن تميم مولى ابن زمانة ، ولم أجد من ترجمه". وفي إسناده أيضًا عمرو بن تميم قال الذهبي في الميزان (5/302) :"عمرو بن تميم عن أبيه عن أبي هريرة في فضل رمضان وعنه كثير بن زيد ، قال البخاري: في حديثه نظر"، وقال العقيلي في الضعفاء (3/260) :"لا يتابع عليه".

(8) أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص98) ، ومن طريقه أحمد (3/55) ، وأبو يعلى (1058) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه ابن حبان (3433) ، لكن فيه عبد الله بن قرط لم يرو عنه غير يحيى بن أيوب ، وأورده ابن أبي حاتم (5/140) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الحسيني في الإكمال:"مجهول"، وضعفه الألباني في تمام المنة (ص395) .

(9) عزاه المنذري في الترغيب (2/99) إلى الطبراني من حديث عبادة رضي الله عنه وقال:"رواته ثقات إلا محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل"، وقال الهيثمي في المجمع (3/142) :"رواه الطبراني في الكبير ، وفيه محمد بن أبي قيس ولم أجد من ترجمته"وذكره الألباني في ضعيف الترغيب (592) .

(10) رواه الحارث في مسنده (318- بغية الباحث) ، وابن خزيمة (3/191-1887) ، وابن أبي حاتم في العلل (1/249) ، وابن عدي في الكامل (5/293) ، قال أبو حاتم: هذا حديث منكر.

ــــــــــــ

عبد المحسن بن محمد القاسم

المدينة المنورة

المسجد النبوي

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-فضل رمضان. 2- حقيقة الصيام. 3- عبادات رمضان. 4- الإحسان في رمضان. 5- الاستعداد لرمضان. 6- حال المحرومين في رمضان. 7- رمضان شهر التوبة والغفران. 8- أسباب المغفرة وعلامة التوبة. 9- نصائح للمرأة المسلمة. 10- اغتنام مواسم الخيرات.

الخطبة الأولى

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله - حق التقوى، فالتقوى زاد الأبرار، ومتاع الأخيار.

أيها المسلمون، لقد حلّ بالمسلمين موسمٌ عظيم، مخصوص بالتشريف والتكريم، أنزل الله فيه كتابه، وفرض صيامه، شهر القيام وتلاوة القرآن، زمن العتق والغفران، موسم الصدقات والإحسان، تتوالى فيه الخيرات، وتعمُّ البركات، يقول النبي: (( أتاكم رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تُفتّح فيه أبواب السماء، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلةٌ خير من ألف شهر، من حرم خيرها، فقد حرم ) ) [رواه النسائي] (1) [1] .

أشرف الشهور وأزكاها عند الله، جعله تعالى ميدانًا لعباده يتسابقون فيه بأنواع الطاعات والقربات، شهر رمضان منحة لتزكية النفوس وتنقيتها من الضغائن والأحقاد، التي خلخلت العرى، وأنهكت القوى، ومن استقبل رمضان بالآثام وهو عاقّ لوالديه، وقاطع لأرحامه، هاجرٌ لإخوانه، وأقواله فيها غيبة ونميمة، فهيهات أن يستفيد من رمضان، يقول المصطفى: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ) ) [رواه البخاري] (2) [2] .

وأهون الصيام ترك الطعام والشراب، وكان السلف إذا صاموا جلسوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدًا (3) [3] .

في هذا الشهر يشمّر الجادون في طاعة ربهم، أداءٌ للصلوات جماعة في بيوت الله، قيامٌ بالليل مع الإمام، وقراءة للقرآن قراءةً مرتلة خاشعة بتدبر، صدقةٌ بالمال ولو بالقليل، على أهل الحاجة من الأقارب والجيران، تفطير الصائمين، يقول النبي: (( من فطر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ) ) [رواه الترمذي] (4) [4] .

اعتكافٌ في بيت من بيوت الله، أداءٌ لمناسك العمرة: (( عمرة في رمضان تعدل حجة ) ) [متفق عليه] (5) [5] .

إكثار من الذكر والدعاء والاستغفار، يتأكد ذلك عند الإفطار، فللصائم عند فطره دعوة لا ترد، وفي الثلث الأخير من الليل، ينزل ربنا ويقول: من يدعوني فأستجيب له؟

زيادةٌ في بر الوالدين، والقرب منهم، والتودد إليهم، إحسانٌ إلى الزوجة والأولاد والأهل بالتوجيه الرشيد، والكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة، صلةُ الأرحام، والصدقة على المحتاج منهم، تفقد الجيران وزيارتهم، والتعرف على أحوالهم، مدُّ يد العون للفقراء والمساكين والأرامل والأيتام، هذا دأب الصالحين في شهر الخيرات.

وإن من أفضل الأعمال بعد إصلاح الإنسان لنفسه أن يقوم بالدعوة إلى الله والاجتهاد في هداية الناس، وإصلاح ما فسد من أخلاقهم وسلوكهم: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] .

وميادين الدعوة رحبة، نصيحةٌ مخلصةً، وكلمةٌ صادقة، وقدوةٌ حسنة، علمًا وعملًا، تقوًى وأخلاقًا، (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئًا ) ) [رواه مسلم] (6) [6] .

فاعزم بصدق على الارتقاء نحو درجات الاستقامة والهداية، واستقبل رمضان بتطهير المال من الحرام، فالمال الحرام سبب البلاء في الدنيا ويوم الجزاء، فلا يستجاب معه الدعاء، ولا تُفتّح له أبواب السماء.

فبادر - رعاك الله - وانظر في نفسك، وابحث في بيتك، وتطهر من كل مال حرام، حتى تقف بين يدي الله بقلب خاشع، فيُسمع لك الدعاء.

وفي رياح الأسحار، ولحظات أنين المنيبين يهفو بعض المحرومين إلى المحرمات، ليتخذ رمضان موسمًا للعصيان، إطلاقٌ للبصر في المحظورات، وإرخاءٌ للأذنين للأغنيات، ومشاهدةٌ للمحموم من الفضائيات، تتبعٌ لعورات المسلمات في الأسواق والطرقات، وفيهم أصحاب الجلسات الفارغة، وأصدقاء الزيارات القاتلة، لهوٌ ولعبٌ، هزلٌ ومرحٌ، لم يعرفوا للزمان قدرًا، ولا لرمضان شرفًا، جلبوا لأنفسهم الشقاء، وأذاقوا أرواحهم العناء، أما علموا أنْ لا لذة في غير الطاعة، وأنَّ كل متعة بمحرم تؤدّي إلى حسرة وندامة، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] .

أيها المسلمون، اليأس والقنوط سلاحٌ لإبليس ليمضيَه في العاصي حتى يستمر على عصيانه، مهما عمل العبد من المعاصي والفجور، فالإسلام لا يأس فيه من رحمة الله، فالتوبة تهدم ما قبلها، والإنابة تجب ما سلفها، فمن كان مبتلى بمعصية، فرمضان موسم التوبة والإنابة، الشياطين مصفّدة، والنفس منكسرة، والله تعالى ينادي: قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ، ويقول في الحديث القدسي: (( يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة ) ) [رواه الترمذي] (7) [7] .

إن من أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرج مغفرته من غير ربه، يقول لقمان لابنه: (يا بني، عوّد لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يردّ فيها سائلًا) (8) [8] .

وعلامة التوبة البكاء على ما سلف، والخوف من الوقوع في الذنب، وهجران إخوان السوء، وملازمة الأخيار.

في هذا الشهر قوافل من التائبين يقصدون عفو الله، فكن أحدهم، فما أجمل أن يكون رمضان بداية للتوبة والإنابة، فكم فيه من التائبين إلى الله، وكم من المستغفرين من ذنوبهم، النادمين على تفريطهم.

أيتها المرأة المسلمة، كوني في هذا الشهر المبارك مركز إشعاع، ومشعل هداية، حارسة للفضيلة، نابذة للرذيلة، معتزةً بدينك، شامخة بشرفك، صائنة عفافك، لا تستمعي إلى سقيم الأفكار، وقبيح الأقوال، الداعية إلى نبذ الستر والحياء، أو تقليد الكافرات والفاجرات، اللاتي نبذن صفات الأنوثة والخجل، واحذري أن تكوني من حبائل الشيطان في هذه الأيام الفاضلة، أو تتّصِفي بالتبرج والسفور، وابتعدي عن قرينات السوء، فسكنُ المرأة في قرارها، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق، والله تعالى يغار على حرماته، وبطشه شديد، وإذا رفع ستره عن أمته فضحها، فتزيَّني بزينة الدين، وتجملي بجمال الستر، فالعمر قليل، والحشر أمره عسير.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

أيها المسلمون، ستنقضي الدنيا بأفراحها وأحزانها، وتنتهي الأعمار بطولها أو قصرها، ويعود الناس ـ وأنت منهم ـ إلى ربهم، فكم من إنسان انتظر رمضان بأقوى الأمل، فباغته الأجل، فأكثر في رمضان من عمل الصالحات، فقد أتى إليك رمضان بعد طول غياب، ووفد إليك بعد فراق، فافتح فيه صفحة مشرقة مع مولاك، واسدل الستار على ماضٍ نسيته، وأحصاه الله عليك، وتب إلى التواب الرحيم من كل ذنب وتقصير وخطيئة، وفي اغتنام مواسم الخير بالجد في العمل الصالح والتوبة مما سلف من القبائح ما يعوِّض الله به العاملين عما مضى من نقص العمل، ويصرف به عقوبة ما اقترف المرء من الزلل.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم على نبينا محمد...

(1) أخرجه أحمد [7148] ، والنسائي في الصيام (4/129) من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال المنذري في الترغيب:"لم يسمع منه فيما أعلم"، وصححه الألباني لشواهده، انظر: صحيح الترغيب [999] .

(2) أخرجه البخاري في الصوم [1903] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) انظر: المغني لابن قدامة (3/59) .

(4) رواه أحمد [16585] ، والترمذي في الصوم، باب: ما جاء في فضل من فطر صائمًا [807] ، وابن ماجه في الصيام، باب: في ثواب من فطر صائمًا [1746] من حديث زيد بن خالد الجهني، وقال الترمذي:"حسن صحيح"، وصححه ابن خزيمة [2064] ، وابن حبان [3429] ، وأورده الألباني في صحيح الترغيب [1078] .

(5) أخرجه البخاري في الحج [1782] ، ومسلم في الحج [1256] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.

(6) أخرجه مسلم في العلم [2674] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(7) أخرجه الترمذي في الدعوات [3540] وقال:"حديث حسن غريب"، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/400) :"إسناده لا بأس به"، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة [127] .

(8) أخرجه البيهقي في الشعب (2/56) من طريق سنيد بن داود عن المعتمر عن أبيه قال: قال لقمان لابنه ... وذكر نحوه، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص394) بصيغة التمريض.

ــــــــــــــ

رمضان: ما أعظمه من فرصة

أسامة بن عبد الله خياط

مكة المكرمة

المسجد الحرام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-حاجة الإنسان إلى ملاذات يرجع إليها. 2- مواسم الخير وفرص العمر. 3- من حكم الصوم. 4- الصوم مدرسة. 5- اغتنام ما بقي.

الخطبة الأولى

أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت