إيقاع العصر يتسارع، ووقت العمل يتزايد، فلم يعد الناس يستعدون لرمضان، كما كانوا يفعلون من قبل، ولكن التكيف مع إيقاع العصر حاصل بنسب متفاوتة خصوصًا مع الصحوة الإسلامية التي تحاول استيعاب الجهل بالأحكام الشرعية. في بيروت خصوصًا، انحسرت ظاهرة الخيام الرمضانية التي شهدت زخمًا إعلاميا مفتعلًا في السنوات القليلة المنصرمة لكنها لم تختف تمامًا، فيما المساجد تزدحم بالمصلين بعد صلاة العشاء لأداء صلاة التراويح.
في رمضان، تنشط الجمعيات الخيرية في جمع الزكاوات والصدقات، وتلقى المواعظ والدروس قبولًا لا تجده في أي شهر آخر.
* يرافق شهر رمضان عادات وطقوس معينة، منها الجيد ومنها السيئ، وقد تبدلت العادات الى حد ما ، بين الماضي والحاضر، كيف ترون الفارق بين أجيال الأمس، وأجيال اليوم، من هذه الناحية؟.
رمضان من أهم شهور السنة بالنسبة للعبادات كلها،"كل أعمال ابن آدم الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فهو لي، وأنا أجزي به". ولرمضان في الأصل طقوس دينية بحتة، وهي المنصوص عليها في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الطقوس لم يطرأ عليها تبدل، ولكن إلى جانب الطقوس الدينية هناك عادات الناس التي أحاطت بالعبادات بالكثير من المسائل الجديدة التي تلتقي أحيانًا مع العبادة، وأحيانًا تُخالفها. وبطبيعة الحال الناس مع أوامر الله هكذا فمنهم من يأخذها وينحرف بها، ومنهم من يُحسن تطبيقها بأساليب جديدة في ظروف جديدة، وهذا ما يحصل مع كل العبادات كذلك، وليس مع الصيام وحسب.
في الماضي، كان الجو الغالب في المجتمع هو جو الالتزام الصادق بالعبادة، أكثر مما هو في أيامنا هذه، ربما مع الصحوة الإسلامية انبثق جو مماثل من الالتزام، لكن فيه قدر كبير من الجهل مما لم يكن في السابق، وربما يعود ذلك كثرة العلماء والموجهين والدعاة في الماضي عنه الآن، حيث كان انتشار العلوم الشرعية بين الناس واسعًا، في حين أننا اليوم في معادلة معكوسة، فالأعداد تتكاثر، والدعاة قليلون، وهذا ما جعل ساحة الصحوة الإسلامية عرضة للجهل الذي يؤثر في تثبيت بعض العادات والانحراف بها على حساب الالتزام الصحيح بالمعاني الإسلامية.
* نلاحظ أن إيقاع الحياة تغير كثيرًا بين الأمس والحاضر، ففي السابق كان الإيقاع أبطأ وكان العمل لا يستنزف عمر الإنسان، فكان الاستعداد النفسي لاستقبال رمضان أكبر بكثير بخلاف ما نحن عليه اليوم، فكيف تجد رمضان مع إيقاع العصر؟.
الإنسان يتكيف بحسب ظروفه الخاصة، وبالمجمل، وكما ذكرت آنفًا، فإن المجتمع المعاصر يتميز بالسرعة في كل أعماله، كما يتميز بمزيد من الانشغال بالأعمال الدنيوية، وهذا يؤثر في حالة الصيام بلا شك، ولكن من جهة أخرى، يشعر المسلمون بأن الصيام عبادة لا بد منها، وهم يتلذذون بهذه العبادة، التي هي في الأصل كبح جماح الشهوات، خصوصًا الشباب الذين يتميزون بالرغبة في التسامي والرقي فوق الغرائز، وهؤلاء يُكيفون أشغالهم بحيث يبقى متسع من الوقت للتعبد، والمجال أوسع بالنسبة للعبادة في أيامنا هذه، حيث يقصر النهار ويطول الليل، ومن أهم العبادات في رمضان صلاة التراويح وصلاة الليل قبل الفجر، فمتى حل وقت المغرب والعشاء انتهت كل أعمال الناس، لذلك تجد إقبالا منقطع النظير على صلاة التراويح في المسجد، حتى لكأن الوقت وقت صلاة الجمعة. ويبقى مع ذلك متسع من الوقت للنوم والاستيقاظ قبل الفجر، حيث يصلي المرء ما شاء الله له أن يصلي ويتسحر ويصلي الفجر في المسجد.
وفي هذا الشهر، تجتاح الناس رغبة جامحة في التعبد وتلاوة القرآن والإنفاق في سبيل الله، وتجد الأعمال الاجتماعية الواسعة لها مكانا في رمضان لا تجدها في غيره، فالجمعيات الخيرية تجمع من الزكاة والصدقة ما تستطيع به الإنفاق طيلة السنة.
* في السنوات القليلة الماضية، برزت ظاهرة سيئة وهي استغلال الإعلام المرئي رمضان في نمط مغاير لروح الشهر، خصوصًا ترويجه للخيام الرمضانية، فما رأيكم في الدور المؤذي للإعلام في هذا المجال؟.
يعمل الإعلام في المجالات التي يميل إليها أصحابه، فهناك كثير من المحطات الفضائية التي تركز في رمضان على التوعية والبرامج المفيدة، بحث تملأ اليوم والليل، وفي المقابل هناك إعلام يستغل إقبال الناس في رمضان واجتماعهم في البيوت، فيبث بعض البرامج السيئة وغير النافعة.
أما الخيام الرمضانية فهي نوع من الاستغلال السيئ لرمضان، ولا يُقبل عليها في الأصل إلا من يصونون مكرهين أو مسايرة للعادات، أو الذين يصومون طوعًا لكن لا يتمتعون بمعرفة حقيقة الصيام، ولا يجمعون مع هذه العبادة أخلاقياتها، إنما ينتظرون انقضاء النهار للأكل والانصراف إلى شهواتهم. وهذه الخيام قد اتخذت لها حيزًا كبيرًا في السنوات الماضية، وهي ظاهرة تلفت الانتباه وتسيء إلى المسلمين في آن واحد، لكنها هذه السنة أقل بكثير، وحتى أنواع الانحراف فيها قد قلت مقارنة بالسنة الماضية، حيث كانت تحفل بالرقص والغناء الماجن، وتقدم في بعضها الخمور باعتبارها مملوكة لغير المسلمين.
* هل كان للانتقادات دور في انحسار هذه الظاهرة؟.
بلا شك، فالانتقادات كانت كثيرة، ولما كانت الخيام الرمضانية بابًا من أبواب المنكر فمن الواجب منعها، ونحن في لبنان لا نستطيع منعها، باعتبار اختلاط الطوائف فيه، والناس أحرار فمن شاء ذهب إليها ومن شاء امتنع، وإنما نسعى إلى تقليلها بقدر المستطاع، وينبغي هنا ملاحظة نقطة هامة وهي أن لدى الذين لا يذهبون إلى الخيام الرمضانية قدرا جيدا من الالتزام الشخصي.
* ماذا عن رمضان في حياة المستشار القاضي فيصل المولوي؟ وهل حدثت فيه واقعة معينة فانطبعت في وجدانه؟.
لا يوجد شيء خاص في هذا المجال، فأنا ككل الأشخاص المتفرغين للعمل الإسلامي مطالب في هذا الشهر بكثير من المحاضرات والندوات والمشاركات، وأقوم بما ييسر الله لي، ولكنني أشعر إجمالًا أن الناس أكثر تقبلًا لكل أنواع المواعظ والتزكية في رمضان، فعندما أتحدث إليهم فكأنني أصل إلى قلوبهم، في حين أن الأمر يكون أقل بكثير في غير رمضان
ــــــــــــــــــــ