عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أتاني جبريل فقال يا محمد: من أدرك شهر رمضان فمات ولم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت آمين ) ).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ) ).
يا من كان يجول في المعاصي قبل رمضان، ها قد أعطاك الله الفرصة، لا تكن كمن كلما زاد عمره زاد إثمه.
فيا أيها الغافل، اعرف نفسك، وانتبه لوقتك، يا متلوثًا بالزلل، إغسل بالتوبة أدرانك، يا مكتوبًا عليه كل قبيح، تصفح ديوانك.
لو قيل لأهل القبور تمنّوا، لتمنوا يومًا من رمضان. وأنت كلما خرجت من ذنب دخلت في آخر، أنت، نعم أنت الآن في رمضان كما كنت في سفر، أما تنفعك العبر؟ أصُمّ السمع أم عُشَى البصر؟ آن الرحيل وأنت على خطر، وعند الممات يأتيك الخبر.
قال بعضهم:"السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفاس العباد ثمراتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قُطّافها".
يا من قد ذهبت عنه هذه الأشهر، وما تغير، أقولها لك صريحة: أحسن الله عزاءك.
أنا العبد الذي كسب الذنوبا ... وصدته الأماني أن يتوبا
أنا العبد الذي أضحى حزينا ... على زلاته قلقًا كئيبا
أنا العبد المسئ عصيت سرًا ... ... فمالي الآن لا أبدي النحيبا
أنا العبد المفرط ضاع عمري ... ... ... فلم أرع الشبيبة والمشيبا
أنا العبد الغريق بلج بحر ... ... ... أصيح لربما ألقى مجيبا ...
أنا العبد السقيم من الخطايا ... ... ... وقد أقبلت ألتمس الطبيبا
أنا الغدّار كم عاهدت عهدًا ... ... ... وكنت على الوفاء به كذوبا ...
فيا أسفي على عمر تقضى ... ... ... ولم أكسب به إلا الذنوبا ...
ويا حزناه من حشري ونشري ... ... ... بيوم يجعل الولدان شيبا
ويا خجلاه من قبح اكتسابي ... ... ... اذا ما أبدت الصحف العيوبا
ويا حذراه من نار تلظى ... ... ... اذا زفرت أقلقت القلوبا
فيا من مدّ في كسب الخطايا ... ... ... خطاه أما آن الأوان لأن تتوبا
ثانيًا: رمضان شهر التراويح، شهر التهجد والمصابيح:
عجبًا لأوقاته ما أشرفها، ولساعاته التي كالجواهر ما أظرفها، طوبى لعبد صام نهاره، وقام أسحاره.
إليك يا أخي الحبيب بعض فوائد صلاة التراويح:
منها أن قيام رمضان من الإيمان ومغفرة لسالف الذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )متفق عليه.
ومن فوائد التراويح أن مصليها يستحق اسم الصديقين والشهداء، وهذا من فيض الكريم سبحانه وتعالى. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته فمِمّن أنا؟ قال: (( من الصديقين والشهداء ) )رواه البزار وابن خزيمة وهو صحيح.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل أول ليلة من رمضان يصلي المغرب ثم يقول:"أما بعد، فإن هذا الشهر كتب عليكم صيامه ولم يكتب عليكم قيامه فمن استطاع منكم أن يقوم فليقم، فإنها نوافل الخير التي قال الله".
ومن فوائد وبركات صلاة التراويح أن من قام مع إمامه كتب له قيام ليلة. عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ان الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليلة ) ).
تصلي مع الإمام حتى ينصرف وتتصبر هذه الدقائق يكتب لك قيام ليلة كاملة.
فاتق الله يا عبدالله في عمرك الذي مضى أكثره وأقبل على صلاة التراويح يُقبل الله عليك وانظر إلى سلفك من الصحابة، عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة، قال وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصى من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر خشية أن يفوتنا الفلاح - أي السحور -.
وما صلاح الأجساد إلا بإنتصابها لربها، في القيام والتراويح، وهو شفاء من أمراض الأجساد والقلوب ورفعة للدرجات عند علام الغيوب وهذا طريق الصالحين من قبلنا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم، وتكفير السيئات، ومطردة للداء عن الجسد ) )حديث صحيح رواه الترمذي وغيره.
وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها من طول القيام في التراويح.
فرحم الله رجلًا قدم لآخرته، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، وقدم مهره، فإنما مهر الحور الحسان طول التهجد بالقرآن، ولا تكن يا أخي ممن يعظم الخِطبة ويسهى المهر.
بادر يا أخي فإنه مبادر بك.
كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول:"صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير".
وقل ساعدي بانفس بالصبر ساعةً ... ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلًا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ... ويصبح ذا الأحزان فرحان جاذلا
ثالثًا: رمضان شهر فتح أبواب الجنان:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين ) )رواه البخاري ومسلم.
إن فتح أبواب الجنة في رمضان حقيقة، لا تحتاج إلى تأويل، وهذه نعمة عظيمة ومنة كريمة من الله، يتفضل بها على عباده في هذا الشهر.
إنها الجنة يا عباد الله التي غرس غراسها الرحمن بيده.
إنها الجنة التي لا يسأل بوجه الله العظيم غيرها.
إنها الجنة دار كرامة الرحمن فهل من مشمر لها.
إنها الجنة فاعمل لها بقدر مقامك فيها.
إنها الجنة فاعمل لها بقدر شوقك إليها. ...
إنها الجنة التي اشتاق إليها الصاحون من هذه الأمة، فسلوا عنها جعفر الطيار وعمير بن الحمام وحرام بن ملحان وأنس بن النضر وعامر بن أبي فهيرة، وعمرو بن الجموح وعبدالله بن رواحة.
نعم إنها الجنة التي فتحت أبوابها هذه الأيام ولكن يا عجبًا لها كيف نام طالبها، وكيف لم يدفع مهرها في رمضان خاطبها، وكيف يطيب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها، إنها الجنة، دار الموقنين بوعد الله، المتهجدين في ليالي رمضان، الصائمين نهاره، المطعمين لعباد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قالوا لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطعم الطعام وأدام الصيام، وصلى باليل والناس نيام ) ).
إنها الجنة ما حُليت لأمة من الأمم، مثلما حُلّيت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
إن نبي الله موسى عليه السلام خدم العبد الصالح عشر سنوات، مهرًا لزواجه من ابنته. فكم تخدم أنت مولاك لأجل بنات الجنان الحور الحسان.
إن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، وهم حُراسها، فيا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الله في الدار الآخرة، ويا ذلة الراجعين بالصفقة الخاسرة قال الله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقره .
فحي على جنات عدن فإنها ... ... منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبى العدو فهل ترى ... ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
فلله أبصار ترى الله جهرة ... ... فلا الحزن يغشاها ولا هي تسأم
فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرةً ... ... ... أمن بعدها يسلو المحب المتيم
أجئتنا عطفًا علينا فإننا ... ... بنا ظمأً والمورد العذب أنتم
رابعًا: رمضان شهر غلق أبواب النيران:
قال الله تعالى: أن جهنم كانت مرصادا، للطاغين مآبا . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار ) ).
النار التي رأها رسول الله صلى الله عليه وسلم يحطم بعضها بعضًا، والتي قال عنها صلى الله عليه وسلم لما رآها، لم أر منظرًا كاليوم قط أفظع من النار.
هذه النار هي مخلوقة الآن، موجودة الآن، إنها معدة، فإياك ثم إياك أن تكون من وقودها.
لقد أُخبرت بأن النار مورد الجميع، وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًا .
فأنت من الورود على يقين، لكنك من النجاة في شك. استشعر يا أخي في قلبك هول ذلك المورد، فعساك أن تستعد للنجاة منه، تأمل في حال الخلائق، وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها وأهوالها، ينتظرون حقيقة أبنائها، وتشفيع شفعائها، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأظلت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيرًا وجرجرة، تفصح عن شدة الغيظ والغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأمم على الركب، حتى أشفق البريء من سوء المنقلب، وخرج المنادي من الزبانية قائلًا: أين فلان بن فلان، المسوّف نفسه في الدنيا بطول الأمل، المضيع عمره في سوء العمل، فيبادرونه بمقامع من حديد، ويستقبلونه بعظائم التهديد، ويسوقونه إلى العذاب الشديد، ثم ينكسونه في قعر الجحيم، ويقولون له: ذق إنك أنت العزيز الكريم فَأُسكنوا دارًا ضيقة الأرجاء مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، طعام أهلها الزقوم، وشرابهم الحميم، ومستقرهم الجحيم، الزبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم منها فكاك، قد شُدّت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون من أكنافها، ويصيحون في نواحيها وأطرافها، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود، فتقول الزبانية: هيهات لات حين أمان، ولا خروج لكم من دار الهوان.
يا عبدالله: إن القضية جد، إنه لقول فصل، وما هو بالهزل، نار، غمٌّ قرارها، مظلمة أقطارها، حامية قدورها، فظيعة أمورها، عقابها عميم، عذابها أليم، بلاؤها شديد، وقعرها بعيد، سلاسل وأغلال، مقامع وأنكال، زمانهم ليل حالك، وضجيجهم ضجيج هالك، يصطرخون فيها فلا يجيبهم مالك، ومقامع الحديد تهشم جباههم، ويتفجر الصديد من أفواههم، وينقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم، لهيب النار سار في بواطن أعضائهم، وحيات الهاوية وعقاربها تأخذ بأشفارهم.
نعوذ بالله أن نكون من قوم لباسهم نار، ومهادهم نار، لُحُفٌ من نار، ومساكن من نار، وهم والعياذ بالله في شر دار.
فيها غلاظ شداد من ملائكة ... ... ... قلوبهم شدة أقسى من الحجر
لهم مقامع للتعذيب مرصدة ... ... ... وكل كسر لديهم غير منجبر
سوداء مظلمة شعثاء موحشة ... ... دهماء محرقة لواحة البشر
يا ويلهم تحرق النيران أعظمهم ... ... فالموت شهوتهم من شدة الضجر
ضجوا وصاحوا زمانا ليس ينفعهم ... ... دعاء داع ولا تسليم مصطبر
وكل يوم لهم في طول مدتهم ... ... نزع شديد من التعذيب في سقر
فيا أخي الكريم، إذا كانت النار بهذه المثابة بل أشد، فإني أسألك أيها العاقل، أليست فرصة أن تغلق أبوابها هذه الأيام فإن لم تنتهز الفرصة الآن، فمتى يكون؟
فيا عجبًا ،ـدري بنار وجنة وليس لذي نشتاق أو تلك نحذر
إذا لم يكن خوف وشوق ولا حيا ... فماذا بقى فينا من الخير يذكر
وليس لحر صابرين ولا بلى فكيف على النيران يا قوم نصبر
وفوق جنات الخلد أعظم حسرة على تلك فليستحسر المتحسر
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه. . .
أما بعد:-
الميزة الخامسة لهذا الشهر المبارك، أنه شهر القرآن، بل هو شهر الكتب السماوية كلها.
عن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أنزلت صحف ابراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، و أنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشر خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ) )حديث حسن رواه الطبراني وأحمد.
أما القرآن خاصة فيقول الله جل وتعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .
إن للصيام علاقة خاصة بالقرآن، فإذا علم هذا فلعله يتضح سرّ إقبال الناس على القرآن في رمضان قراءةً وحفظًا واستماعًا دون بقية الطاعات والقربات.
قال ابن رجب: كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها.
وقال أيضًا: وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.
وقال ابن الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفرّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.
وقال عبدالرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.
أسأل الله جل وتعالى للجميع القبول والإعانة.
ـــــــــــــــ
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-كثرة الإقبال على الطاعات في رمضان. 2- نشاط برامج التلفزيون في رمضان. 3- ذكر بعض الحرام الذي يعرض على الناس في التلفاز. 4- التقوى هي الهدف من تشريع الصيام. 5- خطر النظرة الحرام على قلب الصائم. 6- أثر التلفاز في حياتنا الاجتماعية.
الخطبة الأولى
أما بعد:
ها نحن أيها الأحبة ،نعيش هذه الأيام أيامًا مباركات ،صيام وتراويح قرآن وتسابيح صدقة ودعاء ،وبر وإحسان ،وغيرها كثير مما يتقرب بها المسلمون إلى ربهم في هذا الشهر ،لقد ازدحمت المساجد ،وكثر المصلون ،وهذا أمر طبيعي نشاهده في كل رمضان ،وأقبلت الأسر على ربها ،ويحرص كثير من الناس على العمرة في رمضان ،وكل هذا وغيره أمر طيب يحبه الله عز وجل.
لكن ثمة أمر آخر يتناقض مع كل ما سبق ذكره ،يقع أيضًا من الكثيرين في رمضان ،وهذا الأمر يعكس الأمور السابقة يبغضها المولى جل وتعالى. وأظن أنه لا بد من المصارحة بالحديث فيه. وهو قضية التلفاز في رمضان.
أيها المسلمون الصائمون: إن البرامج التلفزيونية كما هو مشاهد أنها تنشط في رمضان بشكل عجيب ،ويتضاعف جهود المحطات وقنوات البث.وهذا لا يتعارض مع حديث أبي هريرة المتفق عليه أن رسول الله قال: (( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم ،وسلسلت الشياطين ) ). وفي رواية مسلم: (( وصفدت الشياطين ) )لأن الذي يسلسل هو الشياطين من الجن كما جاء في رواية الترمذي وابن ماجه-ومردة الجن-، لكن الذي وراء هذه البرامج هم مردة شياطين الإنس.
وكأنه والله أعلم أن هذا النشاط المكثف لأمر مقصود ،وهو إزالة الأجر والثواب الذي حصل عليه العبد في نهار رمضان فتأتي هذه البرامج وتقضي عليه بالليل.
لكن هؤلاء الشياطين لم يدعوا الصائمين من جمع الحسنات حتى في النهار ،فالتلفاز يعمل طوال ساعات الليل والنهار ،فانشغل الكثيرون حتى في نهار رمضان عن الذكر والاستغفار وقراءة القرآن ،وجلسوا أمام هذا الجهاز ،واكتفوا من الصيام بالإمساك عن الطعام فقط.
أيها المسلمون: هل ينكر أحد منا أن الله حرم علينا معاشر الرجال النظر إلى المرأة الأجنبية ،ولا أتكلم عن الخلاف المعروف بين الفقهاء في وجه المرأة ،لأن الذي يعرض في التلفاز وجه المرأة وشعرها وصدرها وذراعيها ،وساقيها وربما أعظم من هذا هل ينكر أحد منا أن الإسلام قد حرم علينا الاستماع إلى الغناء وآلات الطرب واللهو. ولا يمكن أن يخلو برامج التلفاز من أصوات الموسيقى المحرمة.
كل هذا أيها الأحبة ،لو سلّمنا بأن ما يعرض على الناس هو النساء والموسيقى ولكن الواقع أن الأمر أعظم من هذا.
إن الذي يعرض على الناس الآن الشرك والكفر بالله تعالى ،يعرض على الناس السحر والشعوذة والزندقة ،يعرض على الناس تمثيليات الجنس ومسلسلات العشق والغرام ،يعرض على الناس الزنا الصريح ،يعرض على الناس صور الجريمة وأساليب النصب والاحتيال ،يعرض على الناس برامج منتجة في بلاد عربية ،مثل، وأغلب القائمين على الإنتاج اللبناني نصارى ،يحاربون الله ورسوله ،يعرض على الناس الخمر والمخدرات.
لقد تبلد أحاسيسس الناس ،وماتت الكثير من الفضائل الإسلامية في نفوسهم حتى صاروا يتقبلون أن ينظروا في الشاشة رجلًا يحتضن بنتًا شابة ،لأنه يمثل دور أبيها ،ونحن مطالبون أن نأخذ الأمر بعفوية وطبيعية.
وصرنا لا ننكر وجود رجل وامرأة في وضع الزوجين ،ونصف الرجل بأنه ممثل محترم وأنها ممثلة قديرة ،وصرنا لا ننكر على أن تظهر المرأة حاسرة الرأس ،كاشفة الشعر والرقبة، والذراعين والساقين.
تعودنا مناظر احتساء الخمور والتدخين والاغتصاب والسرقات والقتل والسباب بأقذع الألفاظ ،وتقبلنا كل هذا على أساس أنه تمثيل. وكل هذا متفقون جميعًا على أنه حرام ،مصادم لأمر الله عز وجل.
أيها الصائمون: أسألكم وأنتم تعرفون الجواب، هل يتناسب كل ما ذكر مع رمضان ،شهر جمع الحسنات ،وشهر نزول الرحمات والبركات كيف تنزل الرحمات على البيوت؟ ما هذه التناقضات التي نعيشها. نمسك عن الطعام والشراب ،ولا نمسك عن النظر والاستمتاع، هل الصيام فقط الامتناع عن الأكل والشرب؟ من كان لا يعرف الصيام إلا بهذه الصورة مخطئ وجاهل ،الصيام هو صيام الجوارح كلها لكي يخرج في النهاية - لعلكم تتقون.
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.
وهل مشاهدة هذه البرامج تكسب التقوى ،إنها تقضي على البقية الباقية من إيمان العبد ،كيف نرضى لأنفسنا أن نرتكب المحرم ونحن صائمون كيف نرضى أن نخالف ونطيع في نفس الوقت ،إنها لمن المتناقضات العجيبة.
إذا كان لابد من التلفاز في حياتك أخي المسلم ووصلت إلى قناعة ،أنك لا يمكنك الاستغناء عنه ،وهو في حياتك بمثابة الهواء والماء ،فلا أقل من أن تتركه في رمضان ،لكي لا تجرح صيامك وتنقص الأجر.
فاتقوا الله أيها الصائمون ،إننا نخاطب الإيمان الذي في قلوبكم ،ونخاطب الصيام الذي تصومون ،أن تتقوا الله جل وتعالى وأن يستحي الواحد منا من ربه ،فلا يعصيه ويخالفه وهو صائم ،ولا يعصيه بنعمه التي أنعمها عليه.
يا عبد الله ،يا من أيام عمره في حياته معدودة ،يا من عمره يُقضى بالساعة والساعة فيما لا فائدة منه ،يا كثير التفريط في قليل البضاعة ،يا شديد الإسراف، يا قوي الإضاعة ،كأني بك عن قليل تُرمى في جوف قاعة ،مسلوبًا لباس القدرة ،وبأس الاستطاعة وجاء منكر ونكير في أفظع الفظاعة ،كأنهما أخوان من الفظاظة من لبان الرضاعة ،وأمسيت تجني ثمار هذه الزراعة ،وتمنيت لو قدرت على لحظةٍ لطاعة ،وقلت: رب ارجعون ،ومالك كلمة مطاعة ،يا متخلفًا عن أقرانه قد آن أن تحلق الجماعة.
أيها المسلمون الصائمون: إننا نخاطب الإيمان الذي في قلوبكم أن تحفظوا نعمة البصر ،ولا تطلقوها في النظر إلى ما حرم الله، فإن النظر سهم من سهام إبليس. إن النظر بمنزلة الشرارة في النار ،تُرمى في الحطب اليابس ،فإن لم تحرقه كله ،أحرقت بعضه ،وكما قيل:
ومعظم النار من مستصغر الشرر
فعل السهام بلا قوس ولا وتر
في أعين الغيد موقوف على خطر
لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر
كل الحوادث مبدؤها من النظر
كم نظرة فعلت في قلب صاحبها
والمرء ما دام ذا عين يقلبها
يسر مقلته ما ضرّ مهجته
إن من غضّ بصره عما حرم الله عليه ،عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه ،فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره في محارم الله ،وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه ،فإن القلب كالمرآة ،والذنوب كالصدأ فيها. فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي. وإذا صدأت لم تنطبع فيها صور المعلومات ،فيكون علمه وكلامه من باب الخوض والظنون.
ثم بعد هذا كله أيها الآباء ما ذنب الأبناء أن نربيهم منذ الصغر ،وفي هذا الشهر على مسلسلات الخلاعة والمجون ،ويكبرون على التناقضات ،فيتربى منذ الصغر في نفسه أن لا مانع من النظر في النساء ،ولا مانع من رؤية الفواحش ،ولا مانع من رؤية مناظر الخمور والدعارة ،ومع هذا كله لا مانع أن يصوم ويمسك عن الطعام والشراب ،لكنه لا يطلق بقية جوارحه. والله المستعان.
ما ذنب الأبناء؟ ثم يشتكي الواحد منا بعد ذلك من ولده أنه يدخن أو..
أيها المسلمون: إن التلفاز في حياة الناس تدخل في كل شيء، إن التلفاز غيرّ ترتيب وجبات الطعام عند الناس فصارت الوجبات ملتزمة بمواعيد البرامج ،وأحيانًا يأتي موعد الوجبة الغذائية ويمضي ،والمشاهدون مشدودون للتلفاز دون اهتمام بحاجة الجسم للطعام ودون شعور بالجوع في بعض الأحيان وذلك عندما يبلغ سكر الفم منتهاه.
لقد غيرّ التلفاز طريقة تجمع الناس ،لقد كان هناك تزاور بين الجيران في السابق وكانت هناك أحاديث جميلة وتسامر نظيف واهتمام بمشاكل بعض ،أما الآن ،فكل ليل الأسر مشغول بمتابعة الأفلام، وتعدى الأمر حتى إلى العجائز والله المستعان.
بل إن الأسرة الواحدة اسأل نفسك أيها الأب ،كم مرة تلتقي في الأسبوع بكامل أفراد البيت على غير الطعام والتلفاز ،لتتحدثوا حول موضوع معين ،أو على الأقل تجلس معهم أيها الأب لكي يكتسبوا من أخلاقك ،ومتى سوف يتعلمون منك التعقل والحكمة والاتزان ،ومتى يقتبسون من أفكارك وآرائك أيها الوالد.
إذا كنت الآن وفي هذا السن لا تجلس معهم فمتى يكون إذن ،فبعد أن يكبر الأولاد، الالتقاء معهم يكون في المناسبات ،فالتلفاز لم يترك وقتًا للالتقاء الأسري ،ولا للتجمع العائلي ،وليس هناك مجال لتبادل الخبرات والتجارب، الجواب أتركه لكل والد.
أين هدوء ليالي رمضان التي كنا نعرفها قديمًا، إن ليالي رمضان كان له جوه الخاص ،وشفافيته الفياضة ،وروحانيته الخاصة ،بين قارئ لكتاب الله ،ومستغفر بالأسحار ،وقائم يصلي لصدره أزيز كأزيز المرجل ،الكل في هدوء وسكينة ،فجاء التلفاز في رمضان وحرم الناس تلك السكينة وذاك الهدوء ،بأفلام رعاة البقر ،ومسلسلات العنف والجريمة ،وجولات المصارعة الحرة ،ومباريات كرة القدم. والأدهى من ذلك كله ،أن يُخدع الناس في رمضان ببعض الأفلام التي يسمونها الإسلامية أو (المسلسلات الدينية) ،فالمخنثين من الممثلين الذين كانوا في شعبان يمثلون أفلام الخلاعة والزنا والدعارة ،إذا جاء رمضان ،مثلوا أدوار الصحابة في تمثيلياتهم. والممثلة الساقطة التي كانت في شعبان ،تُقبل على شاشات التلفاز ،ويُمارس معها الخنا والفجور تخرج في رمضان بحجاب وجلباب طويل لتمثل دور الصحابيات ،أو زوجة أحد الشخصيات الإسلامية، أي مغالطة أعظم من هذا ،بل أي منكر أعظم من هذا ونحن ننظر ونتقبل الأمر بشكل طبيعي ،ماتت الغيرة عندنا حتى على أصحاب رسول الله.