فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 248

شهر رمضان عندهم هو شهر الجد والنشاط والاستعداد للدار الآخرة، فشهر رمضان عندهم هو شهر جميع الطاعات، فهو شهر الصلاة والقيام حيث كانوا يحيون ليله كله قيامًا وتهجدًا، وهو شهر القرآن حيث كانوا يختمون في كل يوم مرة أو مرتين، فكان لبعضهم في رمضان ستون ختمة، وهو شهر الصدقات حيث كانوا يطعمون الطعام ويفطرون الصوام،ورمضان عندهم هو شهر الجهاد حيث وقعت فيه أعظم فتوحات الإسلام، فيه معركة الفرقان الكبرى معركة بدر التي فرق الله فيها بين التوحيد والشرك،وفي رمضان كذلك كان الفتح الأعظم فتح مكة الذي فيه أزهق الباطق وهدمت قلاعه ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

إذًا شهر رمضان عند أسلافنا ليس شهر النوم والكسل والعبث بل شهر ملؤوا ساعاته ولياليه بالطاعات والعبرات والبكاء والانطراح بين يدي الله يرجون رحمته ومغفرته. إذا كان هذا حالهم في رمضان فما هي حالنا في رمضان كيف هو حال الأمة يدخل عليها هذا الشهر الكريم هل استعدت للقائه؟ هل عزمت على استثماره واغتنامه؟ هل أعطته حقه من التكريم والتعظيم؟نعم قد استعد سفهاء هذه الأمة لهذا الشهر الكريم بقنواتهم الفضائية وبرامجهم التي يصدون بها عن دين الله عز وجل. نعم قد استعدت الأمة بأسواقها لتلقي أفواج الناس الذين تمتلئ بهم الأسواق أضعاف ما يكون في صلاة التراويح، قد استعدت الأمة لإعداد أصناف المأكولات بخاصة برمضان، بل إنك لتعجب أن يأخذ الطعام في رمضان من الهم والوقت والجهد أكثر مما تأخذه العبادة عند كثير من الناس، وبالأخص النساء.

إن حال الأمة في استقبالها لهذا الشهر حال يرثى له فصنف منها يستثقل هذا الشهر وقدومه لأنه سيفقد فيه ما اعتاده من الشهوات المباحة وغير المباحة في النهار، ولذا لو تسنى له السفر عن بلاد المسلمين لسافر وتخفف من هذا الشهر وتكاليفه، فتجده يقضي نهاره كله بالنوم وتضييع الصلوات، وليله بالسهر والعبث، وصنف آخر من هذه الأمة لا يستثقل هذا الشهر الكريم لكنه أيضًا لم يستعد له بالقيام وتلاوة القرآن وبذل المعروف، فمثل هذا قد استعد ببطنه وجسمه لا بروحه وقلبه.

وصنف آخر من هذه الأمة أولو بقية قد استقبلوا هذا الشهر الكريم بالفرح والاستبشار وحمد الله أن بلغهم رمضان،قد عقدوا العزم على اغتنام نهاره ولياليه بالطاعات والقربات والبعد عن المحرمات قد امتلأت بمثل هؤلاء المساجد وخلت منهم الأسواق، فهؤلاء هم صلة السلف الذين عرفوا لهذا الشهر قدره ومنزلته، فعمروه بطاعة الله وطلب رضوانه.

أيها المؤمنون: هذه وقفتان نقفهما عند آية وحديث.

الوقفة الأولى: عند قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون فهذه الآية دلت على أن الغاية الكبرى من هذا الصيام هو حصول تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فالصائم الذي لم يحقق تقوى الله في صيامه قد خسر الثمرة من هذا الصيام الذي لم يشرعه الله لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة قال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) )والمعنى من لم يترك الكذب والميل عن الحق.

إذًا هل حقق التقوى من يدخل عليه الشهر الكريم ويخرج ولم يحرك فيه ساكنًا، فصلاته مضيعة، ومنكراته مستمرة، فإن لم يزده رمضان بعدًا عن الله فلم يزده قربًا. أم هل حقق التقوى ونال ثمرة الصيام من حافظ على الصلوات وتصدق وقرأ القرآن وتخفف من المنكرات لكنه ما إن يهلَّ شهر شوال حتى يعود كما كان في شعبان.

وهل حقق التقوى من يصوم ويصلي ويقرأ القرآن لكنه لا يتورع عن تضييع ليالي هذا الشهر الكريم في جلسات وسهرات منكرة قد امتلأت بالغيبة والمشاهد المحرمة.

الوقفة الثانية: عند قوله: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ).

(( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ).

(( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ).

ومعنى قوله: (( إيمانًا واحتسابًا ) )أي مصدقًا بوجوبه راغبًا في ثوابه طيبة به نفسه غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه.

ولا نعجب أيها المؤمنون ممن يصوم ويصلي مع الناس ومع ذلك لا نجد أثرًا للصيام في أعماله وتصرفاته بل يوم صومه وفطره سواء، وسر ذلك أن كثيرًا من الناس يصومون ويصلون التراويح مع الناس، لكن فعلهم هذا قد غلبت فيه العادة نية العباد، ولذلك لا نجد للصيام والقيام أثرًا في حياتهم قال جابر: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الجار، وليكن عليكم وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء) .

فإذًا قوله في صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا هو سبب حصول ثمرة الصيام، وهو غفران الذنوب وحصول الرضى من الله. وأما من صام لأن الناس يصومون وقام لأن الناس يقومون غافلًا عن إصلاح النية واحتساب الأجر على الله، فهذا قد خسر الخسران المبين.

أيها المؤمنون: هذا الشهر الكريم قد هل علينا وما أسرع ما تنقضي أيامه ولياليه، وصدق الله إذ يقول عن هذا الشهر أيامًا معدودات. فبادروا فيه بالأعمال الصالحة والتوبة إلى الله من جميع الذنوب والمعاصي، فهو فرصة للتوبة والدعاء والعتق من النيران، فمن لم يتب فيه فمتى يتوب؟ ومن لم يدع فيه المعصية ولم يستجب له فمتى يدع؟ ومن لم يعتق من فيه من النار فقد خسر أعظم الخسارة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون.

بارك الله لي ولكم. .

الخطبة الثانية

أما بعد:

أيها المؤمنون: تستقبل الأمة الإسلامية شهر رمضان الكريم بجراحها وآلامها، فكم لها في بقاع الأرض من جريح وصريع وشريد، فأمتنا بحاجة لأن يلتفت إلى جراحها وآلامها المخلصون من أبنائها، وبالأخص من أنعم الله عليهم بالمال والسعة في الرزق، فتذكروا أيها المؤمنون في هذا الشهر الكريم وفي هذا الشتاء البارد إخوانًا لكم قد ألمّت بهم مصائب الحروب والمجاعات والفقر، لا يجدون الطعام واللباس والمأوى، في حين أنك في بيتك آمن دافئ طاعم كاسي، فوالله لتسألن عن هذا النعيم.

عباد الله: أبشروا بموعود الله، فربنا غفور رحيم يقبل التوبة من عباده ويغفر الذنب العظيم ويجازي على العمل اليسير بالأجر العظيم، قد أعد جنة عرضها السماوات والأرض، فتحت أبوابها في هذا الشهر الكريم وجرت أنهارها وتزينت حورها واكتمل نعيمها وأعدت للمتقين.

اللهم أعنا على صيام رمضان وقيامه وتقبله منا يا أرحم الراحمين.

عباد الله صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه. .

ــــــــــــــ

عبد الله الشرقاوي

الدار البيضاء

الصفا

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-خصوصية شهر رمضان. 2- حال السلف مع القرآن في رمضان. 3- أهمية القرآن الكريم في إصلاح حياتنا. 4- صور مزرية في التعامل مع القرآن والمصاحف.

الخطبة الأولى

أما بعد:

عباد الله: أوصيكم به ونفسي بتقوى الله عز وجل وأساس التقوى اتباع القرآن قال تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون.

أيها الأخوة والأخوات في الإسلام: يقول الله تعالى في محكم كتابه: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منك الشهر فليصمه. لقد خص الله جل شأنه شهر رمضان من بين سائر الشهور بإنزال القرآن الكريم فيه، وخصه كذلك بوجوب الصيام شكرًا لله على نعمة القرآن، والقرآن الكريم كتاب السعادة، ودستور العدالة، وقانون الفضيلة، وهو الحافظ لمن تمسك به من الرذيلة، فلو أن الناس آمنوا بتعاليمه وانقادوا لحكمه وتنظيمه، ووقفوا عند حدوده ومراسيمه لصاروا به سعداء، ولتحولوا من حياة الذل والهوان وصاروا به كرماء، فهو يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا، فهو يهدي للعبادة الأقوم، والخلق الأقوم، والتربية الأقوم، والمعاملة الأقوم، والموعظة الأقوم والحكم الأقوم، ومن أجل ذلك كان جبريل عليه السلام يدارس الرسول القرآن في رمضان فيزيد جوده وكرمه بالعبادة والصدقة والإحسان قدرًا زائدًا على سائر الزمان.

وكان السلف الصالح من هذه الأمة من الصحابة والتابعين يتدارسون القرآن في رمضان ويقومون به الليل بما يسمى بقيام رمضان، ولهذا كان من الواجب على المسلمين جميعًا أن يتخذوا من القرآن مائدة رحمانية يتحلقون حولها ويحفون بها طلبًا لنفحات القرآن وحلاوة ذكره، لأن مجلس القرآن هو مجلس لذكر الله، ومجلس الذكر روضة من رياض الجنة قال عبد الله بن مسعود: (إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم إن هذا القرآن حبل الله وهو النور والشفاء النافع لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه) ، وقال بعض السلف الصالح: ما جالس أحد القرآن فقام سالمًا: إما له، وإما عليه، وقال أبو موسى الأشعري: (إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا وكائن عليكم وزرًا فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به رياض الجنة ومن اتبعه القرآن قذف به في النار) والعياذ بالله.

عباد الله:إن ضرورة القرآن للحياة كضرورة الماء والهواء والغذاء فلا تستقيم حياة الإنسان على هذه الأرض إلا بهذه العناصر الأساسية، وكذلك لا يمكن أن يعرف قيمة هذه النعم المسخرة في الكون إلا بمعرفة القرآن والسير على نهجه الذي رسمه الله تعالى فيه، لأن القرآن الكريم أنزله الله تعالى لينظم سير الإنسان في هذه الحياة، فمثلًا سخر الله للإنسان الشمس لتضيء الكون، وأثناء هذا الضوء اليومي ينادي القرآن الإنسان ويذكره بلقاء ربه، ويوجب عليه عبادات مثل الصلوات المفروضة وهي تختلف من حيث الأوقات بطلوع الشمس وغروبها كما يأمره بالصيام والزكاة والحج وقال سبحانه: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج. قال تعالى: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا.

كما بين الحق سبحانه في القرآن ما أحله للإنسان وما حرمه عليه من نبات وحيوان وغيرهما، والهدف من التحليل والتحريم هو صيانة الإنسان وهدايته إلى ما فيه خيره وصلاحه، وخلق الله الإنسان - بل سائر المخلوقات - ذكرًا وأنثى، وجعل المرأة تكمل حياة الرجل والرجل يكمل حياة المرأة، وبين القرآن الصداقة بينهما وكيف يجب أن تكون، وذلك عن طريق الزواج الشرعي الذي هدفه الطمأنينة والسكينة والمودة والرحمة قال تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. ثم بين تعالى في القرآن الكريم تنظيم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان كالبيع والشراء والجوار وغيرها.

وهكذا نستفيد أيها المسلمون الصائمون أن الحكمة من إنزال القرآن الكريم هو تنظيم حياة الإنسان على وجه هذه الأرض حتى تنجح الحياة العامة والخاصة، الدنيوية والأخروية قال تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.

معشر الصائمين والصائمات: إن تلاوة كتاب الله عبادة من أجل العبادات، إذ كل حرف يقرأه المسلم بعشر حسنات، ولكن ليست تلاوة القرآن غاية، وإنما هي وسيلة إلى فهم القرآن وتدبر آياته ثم العمل به وتبليغه، وتلك هي الغاية المطلوبة من قراءة القرآن، ذلك أن القرآن رسالة الله إلى الناس كافة، وإلى المسلمين خاصة، والقاعدة المعروفة في الرسائل هو قراءتها للتوصل إلى فهم ما فيها وما يطلب صاحبها من المرسل إليه.

وعليك أيها المسلم أن تذكر إذا جاءتك رسالة من محبوب كريم كم يكون فرحك بها، وإذا جاءتك رسالة من حاكم أو رئيس كم يكون تقديرك لها حيث تقرؤها بإمعان لتنفذ كل ما جاء فيها من أمر ونهي هذا إذا كانت الرسالة من بشر مثلك، فكيف برسالة خالقك وخالق المخلوقات كلها وملك الملوك وإله العالمين يخاطبك في رسالته في كل وقت وحين: يا أيها الإنسان، يا بني آدم، يا أيها الناس، يا أيها الذين آمنوا، سواء كنت قارئًا أو مستمعًا، وهذه النداءات كلها تشتمل على أوامر ونواهي، فهل أديت الأوامر واجتنبت النواهي كما أمرك ربك في رسالته، وأنت تشهد دائمًا أنك توصلت بها وآمنت بها وصادقت عليها بقولك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله .

نفعني الله وإياكم بالقرآن المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين وأجارني وإياكم من عذابه المهين وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين آمين.

الخطبة الثانية

أما بعد:

عباد الله: لقد نسي كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام هذه الشهادة بل أصبحوا يستهزئون بآيات القرآن حيث وضعوه في موضع غير لائق بكلام الله تعالى، فتحول القرآن عند بعضهم إلى زخرفة البيوت ونقش بالحروف على أبواب المتاجر والسيارات والمقاهي والشوارع، ويقصدون بذلك جلب البركة أو دفع الشر ثم لا يطبقون منه شيئًا فصاحب المتجر يعلق آيات القرآن وهو يتعامل بالربا وينقص الكيل والوزن ويحتكر السلع ويخلط صالحها برديئها، ويحلف بالأيمان الغليظة كاذبًا، والقرآن يحرم ذلك ويناقضه تمامًا، وتشاهد المرأة المتبرجة العارية تحمل في عنقها صورة مصحف من الذهب وهي مكشوفة الرأس والصدر والذراعين، والقرآن يقول: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وتشاهد الآيات في السيارات، وأصحابها يحملون الخمر والحشيش وعلبة السجائر وينطلق مع آيات القرآن الكريم، الكل في سيارته، وهذا استهزاء بالقرآن.

وتشاهد سيارة نقل المسافرين مكتوبًا عليها آيات القرآن كقوله تعالى: فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، بسم الله مجريها ومرساها وركابها يقطعون المسافات القصيرة والطويلة ثم لا يصلون.

وأما الحفلات والولائم والمناسبات فالأمر أفظع وأفحش فالقرآن يقرأ والناس يلهون ويلعبون وقد يغنون ويرقصون ويدخنون وتذهب إلى الإدارات فتجد آيات مكتوبة مثل يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين وبين جدران هذه الإدارة أناس يتعاملون بالرشوة والوساطة، أهكذا يكون موقفنا مع القرآن؟ استهزاء ونسيان، وعدم العمل به.

إننا في شهر القرآن فلنعد إلى القرآن ولنتدبر آياته ولنفهم معاينه ولنبلغها الناس اللهم عد بنا وبالمسلمين إلى كتابك واحملنا على أوامره واجتناب نواهيه واجعلنا من أهل القرآن واحشرنا في زمرة تاليه واجعله شفيعًا لنا غدًا بين يديك آمين.

ـــــــــــــــ

إبراهيم بن محمد أحمد عبد الكريم

صنعاء

العميري

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-البشارة بقدوم رمضان. 2- استقبال الناس اليوم لرمضان. 3- استقبال السلف لرمضان. 4- شروط التوبة. 5- سعة رحمة الله تعالى. 6- التذكير بالموت.

الخطبة الأولى

أما بعد:

فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه.

ثم أما بعد: فيقول المولى سبحانه: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا. ويقول جل في علاه: وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] . ويقول سبحانه: نَبّئْ عِبَادِى أَنّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50] . ويقول أيضًا رب العزة والجلال في حديث قدسي: (( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم ) ).

إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد:

نستقبل في هذه الساعات القادمة ضيفا كريما، وشهرا عظيما، لم يبق بيننا وبينه إلا ساعات معدودة، فماذا أعددنا لهذا الضيف؟ وكيف سنستقبل هذا الشهر العظيم؟ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] .

إن كثيرًا من الناس يستعدون لشهر رمضان المبارك بتوفير ما يحتاجونه من مستلزمات الحياة من طعام وشراب، وكأن شهر رمضان أصبح شهرًا للطعام وللأكل والشراب والنوم والخمول والكسل، لا شهرًا للطاعة والعبادة والجهاد والعمل، هذا هو حالنا في هذه الأيام إلا من رحمه الله، أما صحابة محمد وسلف هذه الأمة الصالح فكانوا يستقبلون رمضان ويستعدون له ويتهيئون لقدومه قبل أن يأتي بستة أشهر يقولون:"اللهم بلغنا رمضان"، فإذا جاء رمضان أجهدوا أنفسهم في طاعة الرحمن، وفي التقرب إلى الله الواحد الديان، فإذا انقضى الشهر الكريم ودعوه بقية العام يقولون:"اللهم تقبل منا رمضان"، فكان عامهم كله رمضان، وكانت حياتهم كلها رمضان. فرضي الله عنكم يا أيها السلف يوم علمتم أن الحياة بسنينها وأعوامها ينبغي أن تصرف في مرضاة الله، ويوم علمتم أن الحياة ليست حياة الأكل والشرب والشهوة إنما هي حياة الطاعة والعبودية والاتصال بالله الواحد جل في علاه.

يا متعب الجسم كم تشقى لراحته ... أتعبت جسمك فيما فيه خسران

أقبل على الروح واستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

يا عامرًا لخراب الدار مجتهدًا ... بالله هل لخراب الدين عمران

فزاد الروح أرواح المعاني ... ... وليس بأن طعمت ولا شربت

فأكثر ذكره في الأرض دأبًا ... لتذكر في السماء إذا ذكرت

ونادِ إذا سجدت له اعترافًا ... بما ناداه ذو النون ابن متى

معاشر الأحبة:

إن علينا أن نستقبل شهر رمضان بتوبة صادقة خالصة نصوحٍ، نقلع فيها عن كل معصية، ونندم على ما مضى من أعمارنا في معصية الله، ونعاهد الله ألا نعود لمعصية.

قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وربّه ولا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى الذنب أبدًا، وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فيضاف شرط رابع لهذه الشروط الثلاثة وهو أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالًا رده إليه، وإن كانت غيبة استحله منها ونحو ذلك.

يا نفس توبي قبل أن لا ... تستطيعي أن تتوبي

واستغفري لذنوبك الرحمن ... غفار الذنوب

إن المنايا كالرياح عليك ... دائمة الهبوب

كلنا ذوو خطأ يا عباد الله، وكلنا ذاك المذنب، والخطأ من طبيعة البشر والمعصوم من عصمه الله سبحانه وتعالى، والكمال لصاحب الكمال سبحانه وتعالى، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وأرضاه عن النبي أنه قال: (( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم ) ).

فلا بد من الخطأ والتقصير، فكلنا ذو خطأ، وكلنا ذاك المذنب.

ومن الذي ما ساء قط ... ... ومن له الحسنى فقط

تريد مبرأ لا عيب فيه ... ... وهل نار تفوح بلا دخان

ومن الذي ترضى سجاياه كلها ... ... كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه

ولكن المصيبة يا عباد الله أن نبقى على الخطأ، وأن ندوم على الذنب، وأن نصر على المعصية التي هي والله شؤم، وهي والله وحشة وعذاب من الله الواحد الديان.

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... ... من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء من مغبتها ... ... لا خير في لذة من بعدها النار

المعصية يا عباد الله قد تكون سببًا في أن يحبس الله سبحانه وتعالى عن الأمة الخير، ولو كانت من فرد واحد من الأمة لم يؤمر ولم ينه نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا.

ها هم بنو إسرائيل يلحق بهم قحط شديد على عهد موسى عليه السلام، فيجتمعون إلى نبي الله موسى عليه السلام فيقولون: يا نبي الله ادع لنا ربك أن يغيثنا الغيث، فقام معهم وقد خرجوا إلى الصحراء وعددهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى عليه السلام: إلهنا اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرضع، والبهائم الرتع، والشيوخ الركع. فما زادت السماء إلا تقشعًا، والشمس إلا حرارة، فتعجب نبي الله موسى من ذلك وسأل الله عن ذلك، فأوحى الله إليه أن فيكم عبدًا يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة، فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم.

فقال موسى: إلهي وسيدي، أنا عبد ضعيف وصوتي ضعيف، فأين يصل صوتي ويظهر وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فأوحى الله إلى موسى أن منك النداء ومنا البلاغ، فقام نبي الله موسى عليه السلام مناديًا في الناس قائلًا: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله بالمعاصي منذ أربعين سنة اخرج من بين أظهرنا، منك ومن ذنوبك منعنا القطر من السماء، فقام العبد العاصي ونظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدًا خرج فعلم أنه المقصود، فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم منعوا القطر من السماء بشؤمي وشوم ذنبي ومعصيتي، فما كان من هذا العبد العاصي إلا أن أدخل رأسه في ثيابه نادمًا ومتأسفًا على فعاله ثم قال: يا إلهي ويا سيدي، عصيتك أربعين سنة وأمهلتني، وقد أتيتك طائعًا تائبًا نادمًا فاقبلني ولا تفضحني يا كريم، فما أكمل كلامه حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأمثال القرب حتى ارتوت الأرض وسالت الأودية، فقال موسى عليه السلام: إلهي وسيدي، سقيتنا ولم يخرج من بين أظهرنا أحد، فقال الله: يا موسى أسقيتكم بالذي به منعتكم، فقال موسى: إلهي أرني هذا العبد الطائع التائب، فقال الله: يا موسى لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني؟!!

فلا إله إلا الله ما أعظم شأن التوبة، ولا إله إلا الله ما أعظم رحمة الله بعباده، وحلمه سبحانه وتعالى.

فيا أيها المذنب وكلنا ذاك المذنب، ويا من زل وأخطأ وأذنب، ويا من بارز الله بالمعصية وبكره الله، تب إلى الله وعد إلى رحابه قبل أن تفضح في يوم الفضائح، وتندم حين لا ينفع الندم يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت